بقلم: اللواء شرطة (م) دكتور/ دفع الله عوض الله الزين.
استقر الفقه التشريعي والعمل الجنائي التقليدي قروناً طويلة على التعامل مع الجريمة المحلية العادية وهي تلك التي تقع بكامل أركانها داخل الإقليم الجغرافي المحدد للدولة وتخضع بشكل مباشر لمفهوم مبدأ السيادة في المجال الجنائي ويُقصد بهذا المبدأ حق الدولة وسلطتها الحصرية في سن القوانين الجنائية وتطبيقها وإنفاذها على كل من يوجد داخل إقليمها أو يرتكب جريمة تمس مصالحها دون أي تدخل من دولة أخرى.
إلا أن الفكر الجنائي المعاصر واجه تحولاً خطيراً مع خروج الأنماط الإجرامية من هذا النطاق الضيق لتبزغ الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية.
وإذا رجعنا بالذاكرة التشريعية إلى بداية الألفية الثالثة الحالية سنجد أن الجرائم العابرة للحدود كانت تنحصر عالمياً وفقاً لاتفاقيات الأمم المتحدة وللتعريف والتقنين في القانون السوداني في قوالب محددة وتقليدية مثل تهريب البشر الاتجار بالمخدرات غسل الأموال وجرائم الإرهاب الدولي.
وهنا تبرز المعضلة الفقهية والقانونية والمواءمة التشريعية الدولية التي عاصرنا نقاشاتها العميقة منذ كنا طلاباً بالدراسات العليا .حيث كان يعتقد بعض المحاضرين والفقهاء حينها أن موجهات الأمم المتحدة والاتفاقيات الدولية التي تُلزم الدول بتعديل قوانينها الوطنية أو سن تشريعات قومية مستحدثة لمكافحة تلك الجرائم تُعد نوعاً من التدخل أو الانتهاك لسيادة الدول.
بيد أن التطور المتسارع للجريمة أثبت عكس ذلك تماماً إذ أصبحت دول العالم مُلزمة قانوناً وأخلاقياً بتبني تعاون دولي حازم وأُعتُبرت المواءمة التشريعية وتجريم الأفعال التي تمس الأمن العالمي شرطاً أساسياً لعدم تصنيف الدولة كـ دولة غير متعاونة.
وتلبيةً لهذه الموجهات الدولية وتأكيداً على الالتزام القانوني الذي يجسّده الانضمام والمصادقة على الاتفاقيات الدولية والتي تمثل قمة التعاون الدولي المشترك سارع السودان مبرهناً على روحه التعاونية بسنّ قانون مكافحة الجرائم العابرة للحدود الوطنية لسنة 2014 لإغلاق المنافذ أمام تلك الأنماط التقليدية المحددة مطلع الألفية.
لكن العقدين الأخيرين شهدا تطوراً تقنياً هائلاً وغير مسبوق حيث انتقلت الدول والمؤسسات من الأرشفة الورقية إلى إنشاء “قواعد البيانات الإلكترونية الضخمة” لحفظ معلوماتها الحيوية. هذا التحول الرقمي أفرز بالضرورة ثغرات مستحدثة تجسدت في ظهور مهدد أمني جديد هم المخترقون الجنائيون (الهكرز – Hackers) والذين نجحوا في تحويل تلك القواعد المعلوماتية إلى أهداف هجومية مما أفضى إلى نشاط إجرامي متكامل وُلد بسببه مفهوم الجريمةالإلكترونية(Cybercrime).
وأمام خطورة هذا التعدي الافتراضي العابر للحدود برزت الحاجة الحتمية للحماية والمكافحة فولد مصطلح الأمن السيبراني (Cybersecurity) لمواجهة الجريمة السيبرانية.
إن السيادة الرقمية تُعد امتداداً قانونياً حديثاً لمبدأ السيادة الإقليمية الكلاسيكي في القانون الدولي العام فبعد أن كانت تنبسط تاريخياً على ثلاثة أبعاد مادية (الأرض، البحر، الجو) فرضت الضرورات التقنية المعاصرة تمديد هذا المبدأ ليشمل البُعد الرابع وهو “الفضاء السيبراني”.
ومن الناحية الفقهية أدى هذا التحول الجنائي والتقني إلى ولادة مصطلح السيادة الرقمية(Digital Sovereignty) وهو مصطلح ذو طبيعة مزدوجة نشأ أولاً كمفهوم تقني وسياسي لكنه سرعان ما اكتسب قيمة تشريعية ملزمة. تتبلور هذه السيادة في قدرة الدولة وولايتها الدستورية على بسط سلطتها الكاملة على بنيتها التحتية المعلوماتية وتدفق بياناتها الحيوية وحمايتها من أي اختراق.
وهو ما وفر له المشرع السوداني الغطاء الجزائي عبر “قانون مكافحة جرائم المعلوماتية السوداني لسنة 2018م وتعديلاته ليكون قانوناً منفصلاً يواكب الطبيعة المزدوجة لجريمة المعلوماتية بوصفها جريمة وطنية وعابرة للحدود في آن واحد لضمان صون الأمن القومي الحيوي للسودان في ظل فضاء افتراضي لا يعترف بالحدود الجغرافية.
وتلبيةً لتطلعات القارئ المتابع لهذه المقالات النوعية سوف نتطرق في المقال القادم بإذن الله لمفاهيم أمن المعلومات والأمن السيبراني مع استعراض قضايا واقعية حدثت بالفعل لتفادي تكرارها. وسيكون القارئ موعوداً بجرعة توعوية أمنية وقانونية تفادياً للوقوع في فخ هذه الجرائم المستحدثة وحمايةً للخصوصية في ظل الفضاء الرقمي المعاصر.












