اللواء شرطة (م) حقوقي دكتور/ دفع الله عوض الله الزين
في الجزء الثاني من هذه الدراسة، يواصل الدكتور دفع الله عوض الله الزين تسليط الضوء على الأبعاد القانونية الدولية المرتبطة بقرصنة البث الرياضي، مستعرضاً مسؤوليات الشركات المالكة للحقوق الحصرية، والآليات القانونية المتاحة لحماية الملكية الفكرية، إلى جانب إشكالية تنازع الاختصاص القضائي الدولي التي تمثل أحد أبرز التحديات أمام مكافحة التطبيقات والمنصات الرقمية غير المشروعة.
من المنظور القانوني الصرف، يقع هذا النشاط في دائرة الانتهاك الجسيم لحقوق الملكية الفكرية وحقوق المؤلف.
ولحماية حقوقها التجارية والمالية، لم تعد الشركات المتضررة تقف مكتوفة الأيدي، بل أصبحت تخوض معركة دفاعية متعددة المستويات.
وهنا يثور تساؤل قانوني مهم: هل يمكن للشركات صاحبة الحقوق الحصرية أن تقبل بهذه التطبيقات أو تمنحها ترخيصاً بمقابل مالي أو دونه؟
الإجابة القاطعة هي: لا.
إذ يحظر القانون الدولي واللوائح المنظمة للحقوق الرياضية ذلك تماماً. فهذه الشركات ملتزمة قانوناً، بموجب عقود الامتياز الصارمة والمشروطة المبرمة مع الاتحادات والهيئات المنظمة، سواء الدولية كالاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، أو القارية كالاتحاد الأوروبي لكرة القدم (UEFA) المسؤول عن دوري أبطال أوروبا والدوريات الكبرى، أو الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (CAF) المسؤول عن كأس الأمم الأفريقية وبطولات الأندية القارية، بحماية «حصرية البث».
وأي تهاون أو قبول صريح أو ضمني بمنصات موازية، بمقابل أو بدون مقابل، يضع الشركات الناقلة نفسها تحت طائلة المسؤولية القانونية، ويعرضها لغرامات فلكية أو سحب التراخيص نهائياً وحرمانها من الاستثمار الرياضي.
وبناءً على هذا الالتزام الصارم، تتحرك الشركات لحماية حقوقها عبر تتبع الأثر المالي للمقرصنين، باستصدار أوامر إفصاح قضائية تُلزم المتاجر وشبكات الإعلانات بالكشف عن الحسابات البنكية الحقيقية التي تُحول إليها الأرباح، فضلاً عن تقديم إخطارات حذف فورية وفقاً لقوانين حماية الملكية الفكرية الرقمية الدولية لإزالة التطبيقات، وتقنياً عبر «الحجب الديناميكي المستمر» لعناوين السيرفرات وقت المباريات والبطولات المستمرة على مدار العام.
ومن حيث المبدأ، يجوز قانوناً مقاضاة أي شركة أو جهة تقوم ببث الفعاليات والبطولات الرياضية الحصرية الكبرى دون الحصول على ترخيص أو حق بث من صاحب الحقوق، لأن حقوق البث التلفزيوني والرقمي تعد من حقوق الملكية الفكرية الأصيلة والمحمية بموجب قوانين حقوق المؤلف والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
وتختلف الجهة التي تملك الحق في رفع الدعوى ومباشرة الخصومة القضائية بحسب طبيعة الحق المعتدى عليه، فقد ينعقد الاختصاص للاتحادات والهيئات الرياضية الدولية بصفتها المالكة الأصلية للإشارة الدولية للمباريات، أو يؤول للقناة أو الشركة الحاصلة على حق النقل الحصري والامتياز التجاري في دولة أو منطقة جغرافية معينة، أو لكليهما معاً وفقاً لطبيعة الشروط والبنود المبرمة في العقود المشتركة بينهما.
وتتدرج هذه الآليات والإجراءات القانونية لتشمل التقدم بطلبات قضائية مستعجلة لوقف البث فوراً، وإلزام مزودي الخدمة بحجب المواقع أو المنصات الرقمية المخالفة، إلى جانب الملاحقة المدنية للمطالبة بالتعويضات المالية العادلة عن الأضرار والخسائر المباشرة وغير المباشرة، وصولاً إلى تحريك الدعاوى الجنائية وفرض العقوبات الردعية وفقاً للمنظومة التشريعية والقوانين الوطنية للدولة المعنية.
وقد شهدت أروقة المحاكم الدولية والإقليمية بالفعل سوابق قضائية صارمة متعلقة ببث مباريات كأس العالم دون ترخيص، حيث استصدرت الجهات المتضررة أوامر قضائية نافذة أفضت إلى الإغلاق والحجب الفوري لمواقع وتطبيقات تعمدت بث الفعاليات المونديالية بصورة غير مصرح بها، حماية للحقوق الحصرية وصوناً للاستثمار الرياضي.
ومع ذلك، ورغم وضوح هذه المسارات الإجرائية، تصطدم تلك الجهود الدفاعية بمعضلة معقدة تُعرف في الفضاء السيبراني بـ«تنازع الاختصاص الدولي».
فرغم وجود ما يُصطلح عليه بـ«القانون الدولي الرقمي»، المتمثل في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، مثل اتفاقية بودابست للجريمة السيبرانية وقواعد منظمة التجارة العالمية لحماية الملكية الفكرية، إلا أن آليات إنفاذ هذا القانون تواجه تشتتاً جغرافياً معقداً.
وتعتمد الدول في تحديد اختصاصها القضائي على معايير متعددة، كالموقع الجغرافي للخوادم، أو جنسية المطور، أو «مبدأ التأثير» الذي يعطي الدولة حق الملاحقة إذا كان التطبيق يستهدف مواطنيها بصورة مباشرة.
ويستغل مطورو تطبيقات الظل هذا التنازع عبر اللجوء إلى «ملاذات رقمية آمنة» في دول لا ترتبط باتفاقيات تعاون أمني دولي، مستفيدين من بطء إجراءات المساعدة القانونية المتبادلة بين الدول، والتي تتطلب قنوات دبلوماسية طويلة قد تستغرق سنوات.
إن معركة البث الرقمي بين الجهات الشرعية ومنصات الظل تعكس بوضوح التطور المتسارع في كيفية استغلال التكنولوجيا والثغرات القانونية لبناء استثمارات غير مرئية، وتؤكد أن غياب التنسيق التشريعي الدولي الحازم، وبقاء فجوات الاختصاص القضائي العابر للحدود، سيجعلان من لعبة الاختفاء والظهور الرقمية ظاهرة مستمرة ومواكبة لكل حدث أو بطولة رياضية تُعرض على شاشات الفضاء الرقمي.












