مهاد الحروف
مهاد عوض
حين نصل إلى محطتنا الأخيرة، ينبغي أن نتوقف أمام الحقيقة العارية: الطلاق ليس وليد لحظة عابرة، بل هو الستار الذي يُسدل على تراكمات طويلة من الهدم الصامت.
تتعدد المسببات والنتيجة واحدة؛ تبدأ الأزمة من غياب الحوار الناضج، واستبداله بلغة الصمت الزوجي أو التفاهَم الشكلي. ثم تتفاقم المشكلة مع التدخلات الأسرية الخاطئة التي تحوّل الخلافات الصغرى إلى حروب كرامة، مرورًا بـالضغوط الاقتصادية المتزايدة التي تلتهم الطمأنينة. يضاف إلى ذلك اتساع الفجوة الفكرية والوعي بين الطرفين، والاستسهال السريع للانفصال في زمن التواصل الافتراضي، ووصولاً إلى أشد الأسباب قسوة: الجفاء العاطفي، الإهانة، والتعدي على الحدود والتوقعات الفضفاضة التي لم يحمِها عقد ولا وعي.
لكن المأساة الحقيقية لا تكمن في وقوع الطلاق ذاته، بل في الانفصال غير الناضج؛ حين يُمارَس الطلاق بعقلية “الضحية والجاني”، وتتحول النهايات إلى تصفية حسابات شخصية. في هذه البيئة المشحونة، يتناسى الطرفان أن الخسارة الأكبر لا تقع في المحاكم، بل تقع في قلوب الأطفال الذين يُدفعون قسرًا ليكونوا دروعًا بشرية أو أدوات ضغط وانتقام.
إن الطلاق في جوهره لا يعني دمار الأسرة، بل يعيد تعريف شكلها. النضج الحقيقي ينبع من القدرة على الفصل بين فشل الزواج وبين استمرارية الأبوة والأمومة. الانفصال المسؤول يقتضي ألا يُحرم الأبناء من الأمان، وألا تُلوث صور أسرهم بكلمات الكراهية.
ختامًا، ليست كل النهايات هزائم؛ فالطلاق الحكيم قد يكون بداية لبناء حياة أكثر اتزانًا، ورسالة تربوية للأبناء مفادها أن احترام الذات والآخرين هو الأصل، حتى عند الفراق.
تلك كانت حكايتنا مع التحولات… فهل نتعلم كيف نغلق الأبواب بإحسان، ليبقى السند آمنًا وأبناؤنا سالمين؟













