د. اقبال الباقر
العزلة ظاهرة مخيفة أصبحت من سمات هذا العصر، ويا له من عصر اختطف البشر من براثن العلاقات الاجتماعية بشراهة. أصبحنا غرباء، حتى وإن كنا في المكان والزمان نفسيهما، ولا تفصل بيننا سوى سنتيمترات قليلة. كل منا يحمل هاتفه الجوال، ذلك الغريب الذي أصبح أقرب إلينا من مجتمعنا المحيط بنا.
إنها عزلة استدرجت السواد الأعظم من مجتمعنا، الذي كان أجمل ما فيه اللقاءات الأسرية، والصحبة، والمناسبات، كالأفراح والأتراح، حيث الدعم النفسي، والإحساس بوجود الأحباب والأهل والجيران، والجلسات الجميلة التي تغذي الروح وتسعد الفؤاد.
لكن كل ذلك تبدل وتغير؛ فأصبحت التعازي والتهاني والتبريكات تُرسل عبر الرسائل والاتصالات وبطاقات الدعوات الإلكترونية. وصارت كل الأحداث سريعة، بإيقاع يشبه إيقاع الزمن الذي نعيشه. إنها مشاعر نتلقاها، فتترك أثرًا مؤقتًا من السعادة، ثم يمضي الزمن، ويزداد التباعد مع زحام الحياة ومعاركها التي أنهكتنا، وسرقت أجمل ما في العمر… الوقت. فلم يعد بالإمكان إيجاد مساحة كافية للتواصل الحقيقي.
وفجأة نستشعر ذلك التباعد المؤلم، فنشتاق، ونحزن، وربما نبكي، لأننا نشعر بالوحدة، رغم ذلك العالم الافتراضي الذي فرض نفسه علينا، وأجبرنا على عزلة خذلت أرواحنا الآمنة والمستقرة، فأصبحنا نبحث عن المشاعر التائهة تحت مسمى “الميديا”.
هنا يجب أن نقف قليلًا
لنفكر في هذا الواقع المرير الذي اختزل عالمنا الجميل، وقلبه رأسًا على عقب، حتى لم نعد نتحكم في مسار حياتنا، وأحيانًا لا نفهم ما يحدث من تطورات تؤثر في مراحلنا العمرية المختلفة. وأصبحنا نفتقد القدوة، والشخص الحكيم الذي نلجأ إليه عند الحاجة، بمختلف فئاتنا العمرية. وفي المقابل، بدأ كثيرون يعتمدون على أدوات الذكاء الاصطناعي، مثل GPT، للحصول على الإجابات والمشورة، وهو أمر قد يكون مفيدًا إذا استُخدم باعتدال، لكنه لا يغني عن العلاقات الإنسانية الحقيقية، ولا عن دور الأسرة والمربين وأصحاب الخبرة في تقديم الدعم والاحتواء.
لقد أخذتنا التجارة العالمية، عبر الميديا، إلى عالم ذي حدين.
فالشق الأول يتمثل في استثمارها في التعلم، والمعرفة، والعمل، والاستثمار، ومتابعة ما يدور حولنا، ثم تطوير أنفسنا باستخدام المعطيات التي أصبحت سهلة المنال بفضل الأجهزة الحديثة ووسائل التواصل.
أما الشق الآخر، فهو أكثر خطورة، إذ يجعلنا نلهث وراء محتويات قد تدمر أخلاقياتنا، وتغرس العنف والعدائية في نفوس الأبناء. فترى الطفل متعلقًا بالألعاب الإلكترونية، يعيش في عالم مختلف، فيصبح حاد المزاج، مدمنًا للهاتف، منعزلًا عن أسرته، حتى يبدو وكأنه فقد التواصل مع واقعه. فلا يستجيب لنداء والديه أو أقرانه، لأنه مندمج تمامًا في عالمه الافتراضي، ويظهر ذلك على تحصيله الدراسي، وتفاعله الاجتماعي، وسلوكه العام.
أما الكبار، فقد يعانون من الجفاف العاطفي، أو الخلافات الأسرية، وربما الطلاق، لكنهم لا يجيدون التعبير المباشر عن مشاعرهم، فيكتفون بالتعبير عنها عبر الرموز التعبيرية، والمقاطع القصيرة، والملصقات، دون حوار إنساني مباشر، فتصدأ العلاقات، ويدفع المجتمع ثمن ذلك في صورة ضعف التواصل الإنساني، وتراجع الروابط الاجتماعية، والتأثر بثقافات قد تجعل الإنسان ينفر من مجتمعه الواقعي، ويستبدله بعالم افتراضي لا يشبه حياته الحقيقية.
لذلك، فالحذر كل الحذر من الاندماج الكامل مع الميديا، حتى لا تفصلنا عن عالمنا الحقيقي، فنصبح غرباء، رغم وجودنا إلى جوار بعضنا البعض.
لقد أصبحنا، نحن وأبناؤنا، وأسرنا، وأصدقاؤنا، وأحباؤنا، نلتقي عبر الشاشات أكثر مما نلتقي وجهًا لوجه، فتراجعت حرارة المشاعر، وازدادت الأمراض النفسية، والانحرافات السلوكية، وأصبحنا، في كثير من الأحيان، ضحايا لسوء استخدام وسائل التواصل، ما لم نستفق من غيبوبة الاستسلام الكامل لها.
ومن هنا نطلق نداءً عاجلًا إلى كل ولي أمر: أفيقوا لأبنائكم وأسرِكم، فقد بلغ الضياع والفوضى حدًّا يستحق الوقوف عنده. إن كثيرًا من مظاهر العطب النفسي في هذا الزمان ترتبط بالإفراط في استخدام ما نتعامل معه يوميًا، حتى فقدنا السيطرة على تربية أبنائنا وبناتنا، وأصبح كثير منهم لا يستمع إلينا، وكأنهم غرباء عنا.
ساعدوهم على تنظيم أوقات استخدام أجهزتهم، واجعلوا تأثير الأسرة أقوى من تأثير الشاشة. ولنستعد دفء اللقاء، ولنلم شمل الأسرة، حفاظًا على تماسكها، وعلى المجتمع، في مواجهة هذا التفكك المخيف الذي ترك آثاره السلبية علينا جميعًا.
والله المستعان.
ودمتم محفوظين.












