بين الصورة والحقيقة.. قراءة في تجربة أحد أبرز رجال الهلال
سنوات من العمل الصامت وإدارة الملف الرياضي بحنكة
رئيس القطاع الرياضي بين ضغوط الواقع وحسابات المرحلة المقبلة
من المدرجات إلى صناعة القرار.. رحلة استثنائية في الهلال
بين الاعتزال والتراجع.. قصة مرحلة هزّت البيت الأزرق
هل يكسب نائب الرئيس مزيداً من التأييد الجماهيري؟
رجل الملفات الصامت يترك القرار للمجلس
شراكة الإدارة ومستقبل الهلال قبل الانتخابات
عبد المنعم هلال ـ آكشن سبورت
لم يأتِ محمد إبراهيم العليقي إلى كرسي نيابة رئاسة الهلال من فراغ، ولم يكن يوماً رجلاً غريباً عن النادي الأزرق.
تربّى العليقي على عشق الهلال، ومنذ صغره كان يُعرف كهلالابي متعصباً، يصل أحياناً إلى درجة خلع قميصه عند كل هدف يسجله الهلال في المواجهات الكبيرة. فهو ابن المدرجات الزرقاء، وكان في شبابه لاعباً مخضرماً لعب لنادي القادسية بمدينة عطبرة برفقة عدد من النجوم، وكان يُلقب بـ«تنقا».
بعد دخوله الجامعة، كان يشكل حضوراً أنيقاً في مدرجات الهلال، ويجلس بكل تواضع بين الجماهير في المدرجات الشعبية.
وهو رجل أعمال وخريج جامعة الخرطوم ـ كلية الهندسة.
يشغل العليقي منصب نائب رئيس نادي الهلال ورئيس القطاع الرياضي، وفي هذه الصفة لم يكن مجرد رقم في هيكل إداري، بل كان المهندس الحقيقي لمنظومة كرة القدم داخل النادي، إذ عُرف بإدارته للملفات الفنية والرياضية منذ سنوات، بدءاً من اختيار المدربين والتفاوض مع اللاعبين، وصولاً إلى رسم ملامح المواسم الجديدة.
وظل طيلة فترته في الهلال يعمل بصمت بعيداً عن فلاشات الكاميرات ومكبرات الصوت، مفضلاً الإنجاز على الظهور الإعلامي.
كما ترك أعماله الخاصة وتفرغ بصورة كاملة لخدمة الهلال، في مشهد يعكس التزاماً استثنائياً تجاه النادي وجماهيره.
وقد انطلق قبل ثلاث سنوات مشروع تطوير نادي الهلال بقيادة العليقي بحلم كبير يليق بمكانة النادي وتاريخه وجماهيره، غير أن الأحداث التي شهدتها البلاد أوقفت مشاريع كانت على أعتاب التحقق. ورغم ذلك، واصل مجلس الهلال بقيادة هشام السوباط والعليقي العمل دون استسلام أو توقف، باجتهاد وصمت وتخطيط لمستقبل أكثر إشراقاً للنادي.
الخروج المرير
في مساء الأحد 22 مارس 2026، كان مشهد ملعب «أماهورو» في كيغالي كافياً لتفجير مشاعر مكبوتة عندما غادر الهلال بطولة دوري أبطال إفريقيا إثر الهزيمة بهدف دون مقابل أمام نهضة بركان المغربي.
وفي دقائق معدودة بعد نهاية المباراة، أعلن نائب رئيس نادي الهلال محمد إبراهيم العليقي اعتزاله العمل الرياضي بصورة نهائية.
وجاء القرار بعد دقائق من نهاية اللقاء، إثر احتساب حكم المباراة بطاقة حمراء لأحد لاعبي الهلال وركلة جزاء لصالح نهضة بركان.
وقدم العليقي اعتذاراً رسمياً لجماهير الهلال، مؤكداً أن الجهود المبذولة والاجتهاد لم يكونا كافيين لتحقيق تطلعات الفريق، في ظل ما وصفه بـ«فساد المنظومة الكروية الإفريقية».
ولم يكن القرار مفاجئاً من حيث طابعه العاطفي، لكنه كان مفاجئاً بالنظر إلى مكانة الرجل وثقله داخل النادي. فرجل يمسك بكل ملفات الكرة في الهلال يعلن رحيله خلال دقائق معدودة، وكأن الجرح كان أعمق مما بدا على السطح.
رفض التراجع
كتب رئيس الهلال هشام السوباط على صفحته الشخصية عقب الخسارة:
«أرفض رفضاً قاطعاً ما أعلنه الأخ الأصغر الباشمهندس محمد إبراهيم العليقي نائب الرئيس ورئيس القطاع الرياضي من اعتزاله العمل الرياضي، وأقدر جهده الكبير وهو يقف على رأس المنظومة، وقد أحس بالظلم الذي تعرض له الهلال».
لكن العليقي لم يتراجع فوراً.
وجدد تمسكه بقرار مغادرة العمل الإداري، مؤكداً أن الهلال ليس مجرد نادٍ، بل كيان يمثل جزءاً من وجدانه، ومكرراً اعتذاره للجماهير عن النتيجة.
عودة مختلفة
بعد موجة التفاعل التي أعقبت الخروج الإفريقي، أعلن العليقي تراجعه عن قرار اعتزال العمل الرياضي، مؤكداً استمراره مع إدارة الهلال حتى نهاية الفترة الحالية، مع التعهد بتحمل المسؤولية كاملة حتى تسليم المهام والمحافظة على استقرار النادي.
وكشف عن تراجعه المؤقت عن القرار السابق بعد التداعيات وردود الأفعال التي صاحبت إقصاء الفريق من ربع نهائي دوري أبطال إفريقيا.
غير أن هذه العودة لم تكن عودة كاملة إلى ما كان عليه الوضع سابقاً، إذ أبلغ المجلس رسمياً بتوقفه عن ممارسة أي نشاط حتى قيام الجمعية العمومية، وسلم المجلس قائمة بأسماء المدربين للمساعدة في الاختيار، إضافة إلى قائمة بأسماء اللاعبين الجدد الذين تم الاتفاق معهم والمرشحين للتعاقد في الموسم المقبل.
وللمرة الأولى منذ سنوات، بدت ملفات الإحلال والإبدال واختيار الجهاز الفني بعيدة عن إشرافه المباشر.
لماذا الآن؟
هناك قراءات متعددة لما يجري.
إرهاق حقيقي
أوضح العليقي معاناته مع أعباء الصرف والإنفاق، في ظل اعتماد الأندية السودانية على رجال الأعمال والمقتدرين مالياً بسبب ضعف الموارد والاستثمارات المستقرة.
فرجل ينفق من جيبه الخاص ويتفرغ كلياً لخدمة النادي، ثم يرى فريقه يودع البطولة القارية في ظروف تحكيمية مثيرة للجدل، من الطبيعي أن يشعر بالإرهاق.
حسابات انتخابية
أشعلت عودة عدد من المرشحين السابقين إلى واجهة المشهد انتخابات الهلال قبل موعد الجمعية العمومية.
وابتعاد رئيس القطاع الرياضي عن القرارات الفنية في هذا التوقيت يمنحه مساحة آمنة. فإن نجح المجلس فيما يختاره، فهو من قدم القوائم والمرشحين، وإن أخفق، فإنه لم يكن يدير الملف بصورة مباشرة.
ضغط ناعم
يرى بعض المتابعين أن تصريحات نائب الرئيس وتحركاته قبيل الجمعية العمومية تشكل نوعاً من «ليّ الذراع» غير المعلن، استعداداً لمفاوضات قادمة تتعلق بصياغة المرحلة المقبلة وشكل الإدارة الجديدة.
رصيد جماهيري
لا يبدو أن هذه المواقف ستؤثر سلباً على شعبية العليقي.
بل ربما عززت مكانته لدى قطاع واسع من الجماهير، التي تنظر إليه باعتباره أحد أبنائها قبل أن يكون مسؤولاً في النادي.
فالجماهير تحترم المسؤول الذي يتحمل المسؤولية ويعلن مواقفه بوضوح، كما تحترم من يشعر بالخسارة كما يشعر بها المشجع البسيط في المدرجات.
شراكة إدارية
العلاقة بين هشام السوباط والعليقي لم تكن يوماً علاقة تقليدية بين رئيس ونائب رئيس، بل شراكة قائمة على توزيع الأدوار.
فالسوباط قاد الجوانب الإدارية والاستراتيجية، بينما تولى رئيس القطاع الرياضي إدارة ملفات كرة القدم، وهو ما منح الهلال قدراً كبيراً من الاستقرار خلال السنوات الماضية.
وحين أعلن العليقي اعتزاله، كان أول الرافضين للقرار هو رئيس النادي نفسه، الذي وصفه بـ«الأخ الأصغر» ورفض استقالته بصورة قاطعة، معترفاً بحجم ما تحمله من أعباء.
أما ما يتردد حالياً من إعلان بالتوقف عن النشاط وتسليم قوائم المدربين واللاعبين للمجلس، فهو في جوهره عملية انتقال منظمة للصلاحيات قبيل الانتخابات، يريد فيها أن تبقى يداه بعيدة عن أي قرار قد يثير الجدل خلال المرحلة الانتقالية.
عشق الجماهير
هناك فارق جوهري بين أن تحب الجماهير مسؤولاً رياضياً بسبب نجاحه الإداري، وأن تحبه لأنه واحد منها.
والعليقي ينتمي إلى الصنف الثاني.
فهو من الشخصيات التي أحدثت تأثيراً ملموساً في مسيرة الفريق خلال السنوات الأخيرة، إذ قدم دعماً مالياً ومعنوياً كبيراً، وتحمل المسؤولية بشجاعة، متصدياً للعقبات التي واجهت النادي، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.
العليقي هلالابي منذ الطفولة، عاشق للمدرجات الشعبية، ينفق من ماله الخاص، ويعمل بصمت، ويتحدث فقط عندما يشعر بالظلم.
وهي صفات منحت الرجل مكانة خاصة داخل الوجدان الهلالي.
مرحلة مفصلية
يدخل الهلال مرحلة مهمة مع اقتراب انعقاد الجمعية العمومية، وسط توقعات بإعادة تشكيل المشهد الإداري للنادي.
وتأتي هذه الجمعية في توقيت بالغ الحساسية، مع تصاعد الحديث حول مستقبل الإدارة وشكل المرحلة المقبلة.
وفي خضم كل ذلك، لا يبدو العليقي رجلاً يفر من المسؤولية، بقدر ما يبدو رجلاً يعيد تموضعه داخل المشهد.
فقد أمضى سنوات في خدمة الهلال بالعمل الصامت والإنفاق السخي والتفاني، وحين أعلن توقفه عن النشاط قبيل الجمعية العمومية، سلّم مفاتيح الملف الفني للمجلس، تاركاً له مسؤولية اتخاذ القرار أمام الجماهير.
ويبقى السؤال:
هل سيعود بكامل صلاحياته بعد الجمعية العمومية؟ وهل يتجه مستقبلاً نحو كرسي الرئاسة؟ أم يختار الابتعاد الكامل عن المشهد؟
أسئلة ستجيب عنها الأيام، وربما يجيب عنها الرجل نفسه بصمته المعهود.
الصورة والحقيقة
في مراجعة هادئة لمسيرة العليقي، تبدو صورتان متجاورتان.
الصورة الأولى لرجل عمل بصمت، وأنفق بسخاء، وتحمل المسؤولية في أصعب الظروف، وأدار الملف الرياضي برؤية واضحة وإخلاص لا يختلف حوله كثيرون.
أما الصورة الثانية، فهي صورة الرجل الذي سمحت له بعض الدوائر المحيطة به بأن يتضخم حضوره على حساب العمل الجماعي داخل المنظومة، وأن يتحول إلى نجم منفرد في مشهد يفترض أنه قائم على الشراكة.
وبين الصورتين يقف محمد إبراهيم العليقي اليوم أمام واحدة من أهم المحطات في مسيرته الرياضية.
فإما أن يؤكد انتماءه إلى الصورة الأولى بكل ما تحمله من تجرد وعطاء وهدوء، وإما أن تكشف المرحلة المقبلة والجمعية العمومية وما بعدها أن الصورة الثانية كانت أقرب إلى الواقع.












