د. إقبال الباقر
نخاف من الفراق كأنه موت. ونتمسك حتى حين يخنقنا التمسك، ظناً منا أن البقاء معاً دائماً هو الدليل الوحيد على الحب. لكن أحياناً يكون الرحيل هو أصدق أشكال الرعاية. وأحياناً يكون البعد هو الجسر الذي يُرمم ما أفسده القرب.
لا يحدث الفراق فجأة. يسبقه تعب طويل، وأحاديث تدور في دوائر، واعتذارات تُقال ثم تُنسى. يسبقه شعور بأننا نرهق بعضنا دون أن نريد. نجرح ونُجرح، ثم نعاتب الجرح نفسه على أنه موجود. وفي لحظة ما، يتعب القلب من محاولة إصلاح ما لم يعد قابلاً للإصلاح بنفس الطريقة.
الفراق في هذه الحالة ليس هزيمة. هو اعتراف شجاع بأننا أحبنا بصدق، وأن الصدق يقتضي أن لا نكمل على حساب كرامتنا أو صحتنا أو سلامنا. أن نعترف بأن الطريقين كانا واحداً ثم تفرقا، وأن الإصرار على المشي سوياً صار يؤذي الاثنين.
المؤلم أننا نربط الفراق بالفشل. لكن كم علاقة استمرت سنين وهي ميتة من الداخل؟ كم بيتاً عامراً بالوجوه وخاوياً من المعنى؟ الرحيل هنا ترميم لأنه يوقف النزيف. يمنح كل طرف فرصة لالتقاط أنفاسه، ليتذكر من كان قبل أن يذوب في الآخر.
والترميم يبدأ حين نغادر بلا ضجيج. بلا اتهامات تلاحقنا، وبلا محاكمات نعيدها كل ليلة. نغادر ونحن نحمل للتذكرة امتناناً لا غضباً. نقول شكراً على ما كان، ونسامح على ما لم يكن. فالقسوة في النهايات تسرق جمال البدايات.
بعد الفراق يعود كل واحد إلى نفسه. يكتشف صوته الذي اختفى، وضحكته التي تأجلت، وأحلامه التي وُضعت جانباً. يكتشف أن الوحدة لا تقتل، بل تعلّم. وأن غياب شخص واحد لا يعني غياب الحياة كلها.
قد نلتقي بعدها كبشر جدد. بقلوب أهدأ، وعقول أوضح. وقد لا نلتقي أبداً، ويكون هذا أيضاً من الحب. أن تحب أحداً لدرجة تتركه يكمل طريقه بسلام، حتى لو لم تكن فيه.
الفراق الترميم لا يمحو الحب. هو يحفظه في مكانه الصحيح: ذكرى لا تجرح، وتجربة لا تتكرر بنفس الأخطاء. يحوله من عبء يومي إلى درس نضجنا به.
ليس كل من افترق خسر. أحياناً الخسارة الحقيقية هي أن نبقى ونحن نكسر بعضنا كل يوم.
وأحياناً أجمل ما نفعله لمن نحب… أن نرحل.
حتى يشفى الجسر.













