برعي أحمد البشير عبقرية كروية صنعت المجد وألهمت الأجيال
موهبة سبقت عصرها .. ولاعب لا يتكرر














مصطفى حمد يقوده إلى المريخ عام 1951
علي المك يخلد برعي بلقب «القانون»
سجل هدفين في أول مباراة للمنتخب أمام اثيوبيا
أيقونة المريخ والمنتخب ومدرسة كروية متكاملة
سيرة نجم استثنائي .. واسم أصبح عنوانًا للإبداع
اختتم حياته بالهلال بعد خلافه مع حسن أبو العائلة
«تأدب يا كفر»… صرخة جسدت سحر مهاراته الفريدة
لاعبٌ ومعلمٌ ومربٍ صنع أجيالًا من المبدعين
بدأ موظفًا قبل أن يصبح معلمًا للعربية والإنجليزية والتاريخ
عماد أحمد ـ آكشن سبورت
في تاريخ كرة القدم السودانية أسماءٌ صنعت المجد، وأخرى تجاوزت حدود النجومية لتصبح جزءًا من ذاكرة الوطن الرياضية، ويأتي الكابتن الراحل برعي أحمد البشير في مقدمة تلك القامات الاستثنائية. فقد جمع بين الموهبة الفطرية، والثقافة، والانضباط، والقدرة المذهلة على الإبداع داخل المستطيل الأخضر، حتى استحق عن جدارة لقب «قانون الكرة السودانية»، وهو اللقب الذي أطلقه عليه الأديب والبروفيسور الراحل علي المك، إيمانًا بأن كل ما يقدمه برعي في الملاعب يصلح أن يكون مدرسةً تُحتذى في فنون اللعبة.
ولم يكن برعي مجرد لاعب بارع أمتع الجماهير بمهاراته الساحرة، بل كان أيضًا معلمًا ومربيًا أسهم في بناء الأجيال، وواحدًا من أوائل نجوم المنتخب السوداني، وشاهدًا على البدايات الأولى لكرة القدم الحديثة في السودان وإفريقيا. وفي هذه السيرة نستعيد محطات حياته منذ نشأته في أم درمان، مرورًا بمسيرته مع المريخ والهلال والمنتخب الوطني، وصولًا إلى إرثه الرياضي والإنساني الذي ما زال حاضرًا في وجدان الرياضيين.
الميلاد والنشأة
وُلد برعي أحمد البشير محمد دولة بحي الركابية، جوار ضريح التجاني أب أحمد بمدينة أم درمان، عام 1932م. وتلقى تعليمه الأولي بمدرسة الهجرة، ثم المرحلة المتوسطة بمدرسة حي العرب، والثانوية بمدرسة أم درمان التجارية، حيث زامل الفنان الكبير عبد الكريم الكابلي.
المسيرة التعليمية
عمل برعي في بداية حياته موظفًا بوزارة الزراعة، قبل أن يتحول إلى العمل بوزارة التربية والتعليم معلمًا لمواد اللغة الإنجليزية واللغة العربية والتاريخ، وعمل بعدد من المدارس، هي:
- المدرسة الأهلية المتوسطة – أم درمان.
- المدرسة الصناعية – بيت المال.
- المدرسة الأميرية – أم درمان.
- مدرسة عروس الرمال – الأبيض.
- مدرسة الدويم المتوسطة.
- أستاذًا منتدبًا في منطقة حضرموت بالجمهورية اليمنية.
وتدرج في العمل التربوي حتى شغل وظيفة مفتش تربوي بوزارة التربية والتعليم.
البدايات الكروية
تفجرت موهبة برعي من خلال ممارسته لكرة الشراب مع أنداده في الحي، إلى جانب مشاركاته في الدورات المدرسية التي كانت تقام في تلك الفترة.
وفي عام 1948م، سجل برعي لفريق الوطن، أحد أندية الدرجة الثالثة بمنطقة أم درمان، واستمر في صفوفه حتى انتقل إلى نادي المريخ عام 1951م، عن طريق زميله في وزارة الزراعة، حارس مرمى المريخ مصطفى حمد، الذي لعب دورًا في انتقاله إلى القلعة الحمراء.
وفي اليوم نفسه، سجل للمريخ أيضًا كل من حمدي خاطر وحسن العبد، لتبدأ واحدة من أبرز المسيرات الكروية في تاريخ النادي والكرة السودانية.
المنتخب الأول
بعد تأسيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم عام 1956م، تم تكوين أول منتخب وطني سوداني، وكان برعي أحمد البشير على رأس القائمة، إلى جانب نخبة من أفذاذ الكرة السودانية، هم: قرعم، وسبت دودو، وفيصل السيد «إستيف»، وعثمان الديم، وإبراهيم كبير، ومتوكل أحمد البشير، وعصمت إبراهيم، ومنصور رمضان، والجاك عجب «الكابتن»، وسليمان فارس، وعبد الله عبيد الله، وعمر عثمان، والهادي صيام.
وشارك برعي في أول مباراة رسمية للمنتخب السوداني أمام إثيوبيا، التي أقيمت بدار الرياضة بأم درمان يوم 12 مايو 1956م، وانتهت بفوز السودان بنتيجة (5-1)، وسجل برعي هدفين، فيما أحرز بقية الأهداف علي أحمد طه، وكنتنة، وعبد الله عبيد، الذي أصبح لاحقًا من أبرز الصحفيين السياسيين في السودان.
سفير السودان
واختير برعي ضمن المنتخب السوداني الذي قام بزيارة الصين والاتحاد السوفيتي (سابقًا) في أواخر عام 1956م، كما شارك مع المنتخب الوطني في النسخة الأولى من بطولة كأس الأمم الإفريقية عام 1957م، ليكون من أوائل اللاعبين الذين مثلوا السودان في المحافل القارية والدولية.
لقب القانون
أطلق البروفيسور الراحل علي المك على برعي أحمد البشير لقب «القانون»، في إشارة إلى أنه كان يمثل قانون الكرة السودانية، وأن كل ما يصدر عنه من فنون ومهارات داخل المستطيل الأخضر يستحق أن يُحتذى ويُطبق في الملاعب، لما امتلكه من موهبة فذة ورؤية كروية متقدمة سبق بها أبناء جيله.
تجربة الهلال
في عام 1954م، انتقل برعي إلى نادي الهلال، ولعب له موسمًا واحدًا فقط، قبل أن يعود مجددًا إلى نادي المريخ عام 1955م، ليستمر في صفوفه حتى عام 1963م.
واختتم برعي مسيرته الرياضية عام 1964م لاعبًا في صفوف الهلال، حيث خاض مباراة واحدة فقط، بعد خلافه مع سكرتير نادي المريخ آنذاك، حسن أبو العائلة.
عودة المريخ
لم تكن الفترة الأولى التي قضاها برعي مع الهلال موفقة من ناحية الانسجام مع زملائه، كما أن اختلاف أسلوب اللعب بين الهلال والمريخ كان من الأسباب التي دفعته إلى العودة مجددًا إلى القلعة الحمراء.
ورغم ذلك، ظل برعي يعتز بتلك التجربة، لأنها منحته فرصة ثمينة لصقل موهبته وتطوير قدراته الفنية.
كتاب غيّر حياته
وفي أحد الأيام، بينما كان برعي يتصفح بعض الكتب داخل مكتبة نادي الهلال، التي كانت متواضعة في ذلك الوقت، لفت انتباهه كتاب صغير باللغة الإنجليزية، لكنه كبير في قيمته وفائدته، بعنوان «تعلّم فنون الكرة بنفسك».
اصطحب برعي الكتاب إلى منزله، وبعد قراءته بعناية، بدأ في تطبيق التمارين الواردة فيه بصورة عملية ومنتظمة.
ولم يمض وقت طويل حتى تمكن، بفضل الاجتهاد والمران الشاق، من التخلص من معظم عيوبه الفنية الظاهرة والخفية، وأصبح قادرًا على اللعب بكلتا قدميه بكفاءة عالية، وهو ما منحه أفضلية كبيرة داخل الملعب، وأسهم في الارتقاء بمستواه إلى آفاق جديدة.
فريق وحده
كان برعي، في تلك الحقبة، فريقًا كاملًا داخل الملعب، إذ لم يكن مفهوم اللعب الجماعي الحديث قد ترسخ بعد، وكانت معظم الفرق تعتمد على أربعة أو خمسة لاعبين يمتلكون مهارات فردية استثنائية، يصنعون الفارق ويرجحون كفة فريقهم.
وبفضل موهبته النادرة، أصبح برعي رمانة الميزان ومفتاح الانتصارات في فريق المريخ طوال سنوات عطائه، وكان حضوره داخل الملعب كفيلًا بتغيير مجرى المباريات، بفضل رؤيته الثاقبة، ومهاراته الاستثنائية، وقدرته على صناعة الفرص وتسجيل الأهداف.
موهبة نادرة
يُعد برعي أحمد البشير من الظواهر النادرة في تاريخ كرة القدم السودانية، فقد تميز بلمساته الساحرة، وتصرفاته غير المتوقعة بالكرة، حتى إن الجماهير كانت تتابع أداءه بدهشة وإعجاب، لأنه كثيرًا ما كان يقدم حلولًا فنية لا تخطر على بال المنافس أو المتفرج.
ولذلك، لا يمكن الحديث عن عظماء المهارة في تاريخ الكرة السودانية دون أن يُذكر اسم برعي مقترنًا بأسماء رفاقه من كبار النجوم، وفي مقدمتهم الأمير صديق منزول، والأسطورة نصر الدين عباس جكسا، والدكتور كمال عبد الوهاب، الذين شكلوا معًا علامات مضيئة في تاريخ الكرة السودانية.
مهارة استثنائية
اشتهر برعي أحمد البشير بمهاراته الفائقة، وقدرته الكبيرة على التحكم بالكرة في أصعب الظروف، حتى أصبحت لمساته محل إعجاب الجماهير.
وفي إحدى المباريات، مرت الكرة من تحت قدمه في لقطة نادرة، فما كان من أحد مشجعي المريخ إلا أن صاح بصوت مرتفع: «تأدب يا كفر!»، في عبارة عفوية جسدت مدى اعتياد الجماهير على أن تظل الكرة طوع قدمي برعي، حتى بدا لهم أن خروجها عنه أمر غير مألوف.
عشق الكرة
كان برعي أحمد البشير يؤمن بأن لاعب كرة القدم محكوم بفترة زمنية محددة لممارسة هوايته داخل المستطيل الأخضر، بخلاف الموسيقي الذي يستطيع مواصلة عطائه حتى مراحل متقدمة من عمره.
ولشدة عشقه لكرة القدم، كان يتمنى أن تكون هذه اللعبة مثل الموسيقى، حتى يظل قادرًا على ممارستها والاستمتاع بها في جميع مراحل حياته، وهو ما يعكس حجم ارتباطه باللعبة التي منحها أجمل سنوات عمره، وأخلص لها لاعبًا ومربيًا ومبدعًا.
الحياة الأسرية
تزوج برعي أحمد البشير أولًا من السيدة الفاضلة مريم الشريف عمر السيد أحمد الكرزازي، وأنجب منها ابنه خالد.
ثم تزوج من السيدة الفاضلة آمال فهمي، وأنجب منها عددًا من الأبناء، وظل، إلى جانب مكانته الرياضية، مثالًا للأسرة المستقرة والإنسان المتوازن، الذي جمع بين مسؤولياته المهنية والأسرية ومسيرته الرياضية الحافلة.
رحيل القانون
في الخامس من أبريل عام 2012م، رحل عن دنيانا الكابتن برعي أحمد البشير، بعد أن قدم عصارة موهبته وعمره لكرة القدم السودانية، ولنادي المريخ، وللمنتخب الوطني، تاركًا وراءه إرثًا رياضيًا وإنسانيًا سيظل حاضرًا في ذاكرة الأجيال.
وبرحيله، فقدت الكرة السودانية أحد أعظم فنانيها، وأحد أبرز اللاعبين الذين تركوا بصمة خالدة في تاريخها، ليس بمهاراته الاستثنائية فحسب، وإنما أيضًا بأخلاقه الرفيعة، وثقافته، وشخصيته التي حظيت باحترام الجميع.
إرث خالد
سيظل اسم برعي أحمد البشير حاضرًا كلما ذُكرت المهارة، أو استُعيدت ذاكرة الكرة السودانية، فهو واحد من اللاعبين الذين تجاوز تأثيرهم حدود النتائج والألقاب، ليصبحوا مدارس كروية قائمة بذاتها، ورموزًا صنعت وجدان الجماهير، وأسهمت في ترسيخ مكانة السودان بين رواد كرة القدم الإفريقية في سنواتها الأولى.
ولم يكن لقب «القانون» مجرد وصف عابر، بل كان شهادة من أحد كبار المفكرين والأدباء في السودان، بأن هذا اللاعب الاستثنائي قدم نموذجًا فريدًا لفنون اللعبة، حتى غدت لمساته معيارًا للجمال والإبداع، وأصبح اسمه مرادفًا لكرة القدم الجميلة.
رحم الله الكابتن برعي أحمد البشير، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه خير الجزاء على ما قدمه للرياضة السودانية، وجعل سيرته العطرة وإرثه الرياضي مصدر إلهام للأجيال القادمة.
المصدر:
خالد برعي أحمد البشير، الذي تكرم مشكورًا بتزويد المحرر بالصور والمعلومات الخاصة بهذا التوثيق عبر البريد الإلكتروني عام 2009م.












