كمال إدريس
قبل أعوام مضت، تحركنا كقافلة خدمية مختلفة التخصصات إلى منطقة نائية لتقديم العون للسكان، لاحظ فريق الأطباء البيطريين أن الماعز منتفخة مع هزال في بقية أجسادها، فتبرع أحد السكان بمعزته للكشف عليها، أجريت لها عملية ووجد البيطريين أن بطنها مليئة بأكياس النايلون، وللأسف كل أغنام تلك المناطق تأكل البلاستيك المتطاير، وعلى الرغم من تصعيدنا للقضية للجهات المسؤولة إلا أنني أجزم بأن الأمر ما زال يراوح مكانه.
يوليو شهر تم اختياره للتخلص من البلاستيك عالميا بتقليل الاستخدام، غير أن القضية لم تعد حملة موسمية أو شعارًا بيئيًا، بل أصبحت سؤالًا عن مستقبل الحياة على هذا الكوكب.
لو كان للبلاستيك صوت، لكان أكثر ضجيجًا من ضجيج المدن، لأنه يرافقنا منذ لحظة استيقاظنا حتى نومنا، في كوب القهوة، وعبوة الماء، وكيس التسوق، وتغليف الطعام. لكن المأساة أن هذا الضجيج لا ينتهي عند سلة المهملات، بل يبدأ منها.
أكثر من 52 مليون طن من النفايات البلاستيكية تُترك سنويًا بلا إدارة سليمة. بعضها يُدفن، وبعضها يُحرق، وكثير منها يجد طريقه إلى الأنهار والبحار، حيث لا يختفي، بل يتحول إلى جزيئات دقيقة تدخل السلسلة الغذائية، ثم تعود إلينا في الماء والهواء والطعام.
المفارقة القاسية أن الدول الأكثر استهلاكًا ليست دائمًا الأكثر تحملاً للتلوث. فسنوات طويلة من تصدير النفايات البلاستيكية إلى الدول النامية جعلت الفقراء يدفعون فاتورة رفاهية الأغنياء. وحين أغلقت الصين أبوابها أمام هذه التجارة، بدأت النفايات تبحث عن وجهات جديدة، وكأن المشكلة لا تُحل، بل تنتقل من ميناء إلى آخر.
وحتى الدول المتقدمة ليست بمنأى عن الأزمة. فالولايات المتحدة تضم أكبر مدافن النفايات في العالم، وبعض التقديرات تشير إلى أن طاقتها الاستيعابية الحالية قد تنفد خلال سنوات قليلة إذا استمرت معدلات الاستهلاك على حالها. أما في قلب المحيط الهادئ، فتطفو جزيرة بلاستيكية هائلة، لا تحمل علم دولة، لكنها تُعد واحدة من أكبر الشواهد على فشل الإنسان في إدارة مخلفاته.
المشكلة ليست في البلاستيك ذاته، فهو اختراع غيّر حياة البشر وسهّلها، وإنما في ثقافة الاستخدام لمرة واحدة، ثم الرمي بلا اكتراث. وما يزيد المشهد تعقيدًا أن أغلب الناس يعلنون تأييدهم لتقليل البلاستيك، لكن قلة منهم فقط تُغيّر سلوكها عند الشراء.
إنقاذ الأرض لا يحتاج إلى بطولات خارقة، بل إلى عادات صغيرة تتكرر كل يوم. كيس قماشي بدلًا من البلاستيكي، وزجاجة قابلة لإعادة الاستخدام بدلًا من عشرات العبوات، وقرار واعٍ قبل كل عملية شراء.
قد لا يغيّر هذا العالم دفعة واحدة، لكنه يغيّر اتجاهه. فالكوكب لا يحتاج إلى آلاف الأشخاص المثاليين، بل إلى ملايين البشر الذين يختارون، كل يوم، أن يتركوا وراءهم نفايات أقل، وأملًا أكبر.












