شهادات تستعيد البدايات الأولى للكرة السودانية
الجزولي: الموردة سبقت المريخ في تشييد الاستاد
الحنان: التاريخ تعرّض للتدليس والتزوير
روايات تربط أبناء الموردة ببدايات اللعبة
حي الضباط يحتفظ بأسرار البدايات الكروية
اللواء الأبيض حاضر في ذاكرة الموردة
رواد الهلب يطالبون بحماية الذاكرة الرياضية
إعداد وتوثيق: خالد موردة
التاريخ لا يُحفظ بالوثائق وحدها، وإنما تحفظه كذلك ذاكرة الرجال الذين عاشوا أحداثه، وسمعوا رواياته ممن سبقوهم، وظلوا أمناء على تفاصيله جيلاً بعد جيل.
ومن هذا المنطلق، تأتي هذه المحاولة التوثيقية لإلقاء الضوء على جانب مهم من تاريخ نادي الموردة العريق، وصلته بالبدايات الأولى لكرة القدم السودانية، من خلال شهادات خاصة نُشرت صوتياً بتاريخ 30/08/2027م في إحدى القروبات الحيوية لأبناء الموردة «مورداب بالفطرة»، قدمها عدد من رواد صحوة الهلب، ممن كان لهم حضور مشهود في النادي عبر الرابطة المركزية لمشجعي نادي الموردة الرياضي، ونهلوا كثيراً من تاريخ الموردة ونشاطها الرياضي والاجتماعي والثقافي.
وقد آثرت نقل هذه الشهادات وتوثيقها كتابة، بعد أخذ موافقة أصحابها، إسهاماً في حفظها وإتاحتها للأجيال والمهتمين.
ولا ندعي من خلال هذه الشهادات تقديم الكلمة الفصل في تاريخ كرة القدم السودانية، بقدر ما نسعى إلى فتح باب البحث والتوثيق، وحفظ ما تبقى في ذاكرة الأجيال من روايات وأسماء وأحداث تستحق أن تُدوّن وتُعرض على الباحثين والمهتمين بتاريخ الرياضة والمجتمع في السودان.
ونبدأ هذه السلسلة بشهادتين للأستاذين محمد حامد الجزولي وأحمد الحنان، بما تحملانه من ذكريات وروايات حول الموردة وأبنائها وأدوارهم في البدايات المبكرة للحركة الرياضية وكرة القدم في السودان.
البداية الأولى
يقول الأستاذ محمد حامد الجزولي، أحد رواد نهضة الموردة في عصرها الذهبي خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي عبر رابطة مشجعي الموردة، إن أول من لعب كرة القدم في السودان كانوا أبناء الموردة.
وبحسب روايته، بدأت القصة مع عدد من أبناء الموردة الذين كانوا ضمن الجيش المصري، ومن بينهم جنود وضباط كانوا موجودين في مصر إبان الوجود الإنجليزي، حيث شاهدوا الإنجليز يمارسون كرة القدم، وتعلموا اللعبة ولعبوها معهم، وعندما عادوا إلى السودان نقلوا معهم كرة القدم وبدأوا ممارستها.
ويشير الجزولي إلى أن الحديث يدور عن فترة مبكرة جداً تعود إلى بدايات القرن العشرين، قبل عشرينيات القرن الماضي، قبل أن تنتشر اللعبة بين أبناء الموردة وتظهر المنافسات بين «الحلة الفوق» و«الحلة التحت». وكانت الأولى في جهة فريق ريد والمناطق المجاورة، بينما كانت الثانية غرب الخور، ناحية حي الضباط وما امتد منها.
فرق مبكرة
ومع مرور الوقت، أخذ أبناء الموردة الذين عرفوا كرة القدم ومارسوها في مصر يعلمون الآخرين، وبدأت الفرق تتكون تدريجياً، ومن بينها فريق «قلب الأسد»، الذي كان يُعرف أيضاً باسم «أشبال الموردة»، إلى أن جاءت مرحلة تسجيل الموردة رسمياً عام 1925.
ويؤكد الجزولي أن تاريخ الموردة يسبق التسجيل الرسمي، مشيراً إلى أحداث عام 1924 وجماعة اللواء الأبيض، وبروز أسماء وطنية مثل علي عبد اللطيف وعبد الفضيل الماظ. ويروي أن فريق الموردة ارتبط في تلك المرحلة بالنشاط الوطني، وكان يمثل ستاراً لنشاط بعض الضباط السودانيين المناهض للاستعمار، قبل التسجيل الرسمي للنادي لاحقاً.
ويستشهد الجزولي كذلك بمقابلة قديمة مع كابتن النور مطر، أحد رجالات الموردة وكباتنها، تحدث فيها عن تلك الفترة، وقال إنه إلى ذلك الوقت لم يكن هناك شيء اسمه الهلال أو المريخ، معتبراً أنها من الشهادات القديمة التي ينبغي البحث عنها وإعادتها إلى دائرة التوثيق.
ريادة موردابية
ويرى الجزولي أن بعض تاريخ كرة القدم السودانية تعرض مع مرور الزمن للتغيير، وأن معلومات غير دقيقة تكررت حتى تعامل معها البعض باعتبارها حقائق ثابتة.
ويقول إن الموردة كانت صاحبة ريادة، ومن أوجه ذلك أنها من أوائل الفرق التي امتلكت نادياً، كما أن استاد الموردة شُيد بجهد أبناء الموردة وأهل المنطقة. وينتقد تداول معلومة أن استاد المريخ هو الأول، مؤكداً أهمية العودة إلى الوثائق والشهادات التاريخية لحسم مثل هذه المسائل.
ويشدد على أن الحديث عن تاريخ الموردة لا ينطلق من التعصب للنادي، وإنما من وقائع وشهادات ووثائق يمكن الرجوع إليها، مؤكداً أن الموردة جزء أصيل من بدايات كرة القدم السودانية.
ذاكرة الأجيال
من جانبه، يقول الأستاذ أحمد الحنان، أحد رواد رابطة مشجعي الموردة المركزية، إن معلومات غير دقيقة طالت بعض الحقائق المتعلقة بتاريخ كرة القدم السودانية، وتداولها الإعلام حتى وصلت أحياناً إلى معلقي المباريات.
ويرى أن الواجب يقتضي تمليك الأجيال الجديدة، وخاصة الشباب، الروايات والحقائق المتوارثة، حتى تُحفظ وتوثق للتاريخ.
وبحسب الحنان، فإن الجيش الإنجليزي عندما دخل السودان جاء معه بكرة القدم، وكانت لديهم الكرات الجلدية القديمة ذات الرباط، وأقاموا سكناتهم ومعسكراتهم وبدأوا ممارسة اللعبة فيما بينهم، في وقت كان فيه عدد من شباب الأحياء يلتحقون بالجيش.
ويشير إلى أن منطقة الموردة كانت تضم حي الضباط، القريب من سلاح المهندسين وقصر الشباب والأطفال، وأن المنطقة ارتبطت في الأصل بالسكنات العسكرية.
شهادة شفاهية
ويقول الحنان إنه سمع هذه التفاصيل مباشرة من خضر بلال، والد مزمل ضالين والباشمهندس عصام والباشمهندس صلاح خضر بلال، رحمه الله، موضحاً أنه لم تكن تتوافر آنذاك وسائل لتسجيل تلك الشهادات.
ويربط الحنان بين أسماء عسكرية ووطنية وبين المنطقة، مشيراً إلى عمنا نور مطر، الذي كان لاعباً وكابتناً وإدارياً، وكذلك شناوي، إلى جانب علي عبد اللطيف وعدد من أبناء وأفراد أسرة الماظ.
كما يقول إن جانباً من تنظيم وتحركات ثورة 1924، بحسب ما سمعه من كبار المنطقة، كان مرتبطاً بحي الضباط في الموردة.
وعي وريادة
ويؤكد الحنان أن الموردة لم تكن مجرد منطقة لكرة القدم، وإنما كانت، وفق الروايات المتوارثة، منطقة للنخب والوعي السياسي والحياة الاجتماعية، ولذلك فإن تاريخها ينبغي أن يُحفظ ويُكتب بعيداً عن التدليس أو التلاعب.
وعن ظهور الهلال والمريخ، يشير إلى تجاور حي العرب والمسالمة، اللذين يفصل بينهما شارع الشنقيطي الممتد من السوق، موضحاً أن الأولاد كانوا يلعبون كرة القدم في سوق القش خلف حي العرب، في المنطقة القريبة من نادي الحديد حالياً، ومن هناك نشأت المنافسة بين أبناء الحيين، ومع حماسها ظهر الهلال والمريخ.
ويخلص الحنان إلى التأكيد على أن الموردة، وفق الشهادات والروايات التي وصلت إليهم، تمثل أساساً مهماً في البدايات، وأن الواجب هو حفظ هذا التاريخ وتوثيقه ونقله إلى الأجيال القادمة.
وتبقى هذه الشهادات دعوة مفتوحة للبحث والحوار وإضافة ما لدى الآخرين من وثائق وروايات وتصويبات، حتى تكتمل الصورة، ويُحفظ للأجيال جانب مهم من ذاكرة الموردة وأم درمان وتاريخ الرياضة السودانية.
























