مهاد الحروف
مهاد أعوض
أحياناً نعتقد أن الحل في حقيبة سفر. نحزم ملابسنا، ونغلق أبواب البيت القديم، ونودّع الشوارع التي شهدت تفاصيلنا، ونشتري تذكرة إلى مدينة أخرى، وربما إلى بلد آخر، ونحن نحمل أملاً كبيراً بأن المسافة قادرة على فعل ما عجزنا نحن عن فعله.
نقول لأنفسنا: سأبدأ من جديد. ولكن ماذا لو اكتشفنا بعد الوصول أن الشيء الوحيد الذي لم نتركه خلفنا هو نحن؟
الهروب الجغرافي قد يغيّر العنوان، لكنه لا يغيّر بالضرورة الحكاية. قد نستيقظ في غرفة جديدة، ونمشي في شوارع لم تطأها أقدامنا، ونلتقي أشخاصاً لا يعرفون شيئاً عن ماضينا، ومع ذلك نجد أنفسنا نعيد المشهد ذاته داخل رؤوسنا.
فالذاكرة لا تحتاج إلى جواز سفر، والألم لا يتأثر كثيراً بتغيير التوقيت، والخيبة قادرة على عبور الحدود معنا دون تذكرة.
نحن أحياناً لا نهرب من المكان، بل من شعور ارتبط به. نهرب من علاقة انتهت، أو خسارة لم نتقبلها، أو موقف كسر شيئاً عزيزاً في داخلنا، فنظن أن تغيير المدينة سيمنحنا فرصة للنسيان.
لكن النسيان ليس دائماً نتيجة للمسافة. كم من شخص غادر وطنه وظل الوطن يسكنه؟ وكم من شخص ابتعد عن إنسان سنوات، لكنه ظل يحاوره في رأسه كل ليلة؟ وكم من إنسان أغلق باباً خلفه، لكنه أبقى نافذة مفتوحة في ذاكرته؟
المشكلة أن الهروب الخارجي أسهل من المواجهة الداخلية. السفر يحتاج إلى مال وترتيبات وحقيبة وتذكرة ومطار، بينما مواجهة الذات تحتاج إلى شجاعة من نوع آخر.
تحتاج أن تسأل نفسك: لماذا ما زلت أتألم؟ ماذا حدث لي فعلاً؟ ما الذي لم أتقبله؟ وهل أريد الرحيل فعلاً أم أريد فقط أن أتوقف عن الشعور؟
قد نقطع آلاف الكيلومترات لنكتشف أننا لم نقطع خطوة واحدة بعيداً عن الفكرة التي أتعبتنا.
لذلك ليس كل سفر هروباً، وليس كل مغادرة ضعفاً. أحياناً يكون الرحيل ضرورة وبداية حقيقية؛ قد يخرج الإنسان من مكان يؤذيه ليحمي نفسه، أو يبحث عن فرصة أفضل. لكن الفرق كبير بين أن تغادر لأنك اخترت حياة مختلفة، وبين أن تغادر وأنت تنتظر من المكان الجديد أن يأخذ ألمك عنك.
المكان الجديد يمنحك فرصة، لكنه لا يقوم بالعمل نيابة عنك.
فالخلاص الحقيقي يبدأ عندما نكف عن إعطاء الماضي سلطة كاملة على حاضرنا، ونفهم أن بعض الأبواب أُغلقت وانتهى دورها، وأن بعض الأشخاص كانوا جزءاً من مرحلة وليسوا بالضرورة جزءاً من بقية الطريق.
ربما لا نستطيع محو ما حدث، لكننا نستطيع تغيير الطريقة التي نحمله بها. فالإنسان لا يحتاج دائماً إلى مدينة جديدة، بل أحياناً إلى عقل جديد ينظر إلى الأشياء القديمة بطريقة مختلفة.
الحياة لا تتوقف عند المكان الذي انكسرنا فيه، ولا ينبغي أن نسمح لذاكرة قديمة بأن تتحول إلى عنوان دائم.
قد نغادر المدن، لكن الأهم أن نغادر النسخة القديمة من أنفسنا التي ظلت عالقة هناك.
فليس أصعب من أن تصل إلى أقصى الأرض، ثم تكتشف أن قلبك ما زال واقفاً أمام باب قديم.













