وجوه الحِلة القديمة في زمن المظاهر الجديدة
حكايات الشارع بين الجدعنة والضجيج
الونس القديم في مواجهة زمن السرعة
عندما يصبح الكلام أخطر من الحقيقة
كلام من القلب للحِلة .. وونسة تكشف الحقيقة
عبدالمنعم هلال ـ آكشن سبورت
في كل مجتمع توجد تفاصيل صغيرة تبدو عابرة في ظاهرها، لكنها تحمل داخلها ملامح الناس وتحولات الزمن وطريقة تفكير الأجيال. من “ود الحِلة” الذي كان رمزاً للجدعنة والونس والمواقف، إلى “بت الحِلة” التي كانت تمثل البساطة والحياء وروح المكان، وصولاً إلى ظواهر جديدة فرضت نفسها على المشهد الاجتماعي مثل النميمة والقونات وحتى بعض الممارسات التي أفقدت المهن الإنسانية شيئاً من قيمتها، تتشكل صورة مجتمع كامل بين الأمس واليوم.
“باص وخانة” ليست مجرد كلمات ساخرة أو خواطر سريعة، بل محاولة لالتقاط نبض الشارع السوداني بلغة بسيطة قريبة من الناس، تفتح الباب للتأمل والابتسام أحياناً، وللنقد الصريح أحياناً أخرى. هي وقفات قصيرة أمام مواقف نعيشها يومياً، وشخصيات نصادفها في كل مكان، وظواهر أصبحت جزءاً من تفاصيل حياتنا. وبين الحنين لزمن العِشرة القديمة، والتساؤل عن شكل العلاقات اليوم، تبقى الحقيقة الثابتة أن القيم الحقيقية لا تتغير مهما تغيّر الزمن.
باص
ود الحِلة
ود الحِلة ما بس زول ساكن في نفس الشارع، ده عنوان للعِشرة وصاحب المواقف وونسة المساء.
زمان كان معروفاً بالاسم والملامح، بابه مفتوح وضحكتو حاضرة.
ولو حصلت مشكلة تلقاهو أول واحد واقف.
اليوم الاسم موجود، لكن المعنى اتغيّر شوية.
العِشرة بقت أخف، والقرب بقى مجرد عنوان، ما إحساس.
ود الحِلة الحقيقي ما بتعرفو بالكلام، بتعرفو بالمواقف وقت الجد.
خانة
الانتماء ما عنوان سكن.. الانتماء موقف.
ود الحِلة هو الأخ والشقيق ورفيق الشارع والطريق.
باص
بت الحِلة
بت الحِلة ما بس بنت ساكنة في نفس الشارع، دي روح المكان وبهجتو وتفاصيلو الصغيرة.
زمان كانت معروفة بالأدب والحياء والبساطة البتخليها قريبة من كل القلوب.
الناس بتفرح ليها وتخاف عليها، وكأنها بنت للجميع.
اليوم الزمن اتغيّر، والصورة بقت فيها اختلاف.
لكن لسه في “بت الحِلة” الحقيقية البتحافظ على روحها بدون ما تتكلف وبدون ما تضيع.
بت الحِلة ما بتعرفها بالمظهر، بتعرفها بالتصرف وبالكلمة وبالوقفة.
خانة
الجمال الحقيقي ما في الشكل.. في الحضور.
بت الحِلة ما البتلفت النظر بس، البتخلي المكان أجمل بوجودها.
باص
النميمة
النميمة ما مجرد كلام ساكت، دي عادة قبيحة بتاكل العلاقات بهدوء وتزرع الشك بين الناس بدون ما تحس.
الغريب إنو بعض الناس تلقى متعتها في نقل الكلام، تزيد شوية وتنقص شوية، ويطلع من الحكاية وهو حاسس إنو أنجز مهمة وطنية..!
النميمة ما بتحل مشكلة، لكن ممكن تصنع مشاكل ما كانت موجودة أصلاً.
وتكسر خاطر، أو تخرب علاقة، أو تشوه صورة زول بريء.
الأسوأ إنو النمام غالباً يفتكر نفسو ذكي، مع إنو أول زول الناس ما بتأمنو هو.
خانة
الزول البنقل ليك كلام الناس، غالباً بنقل كلامك لناس تانين.
النميمة نار.. الفرق الوحيد إنها بتحرق السمعة قبل الحطب.
باص
ظاهرة القونات
في السنوات الأخيرة بقت ظاهرة “القونات” جزءاً واضحاً من المشهد الاجتماعي والإعلامي.
شهرة سريعة، متابعين بالملايين، وضجة أكبر من المحتوى نفسه.
المشكلة ما في الظهور، ولا في إنو الزول ينجح أو يصنع اسم.
المشكلة لما الشهرة تبقى قائمة على الاستعراض فقط، بدون رسالة، بدون قيمة، وبدون أي إضافة حقيقية.
بقينا في زمن المظهر فيه أهم من الموهبة، والضجة أهم من الفكرة، وأي حاجة ممكن تعمل “ضجة” تعتبر نجاحاً.
الأخطر إنو الجيل الصغير بقى يشوف الشهرة غاية، بغض النظر عن الطريقة والوسيلة.
خانة
ما كل مشهور مؤثر، وأحياناً الشهرة مجرد ضوضاء عالية.
في زمن القونات، العقل بقى محتاج “فلتر” أكتر من الصورة.
باص
الأطباء التجار
الطب زمان كان رسالة رحمة قبل ما يكون مهنة، وإنسانية قبل أي حسابات.
لكن للأسف في فئة حولت وجع الناس إلى فاتورة مفتوحة، كل كشف بسعر، وكل دقيقة محسوبة، وكأنو المريض داخل في صفقة تجارية ما علاج وعناية.
المشكلة ما في إنو الطبيب يعيش كويس ويتعب ويأخذ حقو، دي حاجة طبيعية.
لكن الكارثة لما يتحول العلاج لتجارة باردة، ويصبح الجيب أهم من النبض.
في مرضى بيدخلوا المستشفى وهم شايلين وجع المرض، ويطلعوا شايلين وجع الفاتورة فوقو.
خانة
الطبيب الحقيقي بعالج الإنسان قبل المرض.
خانة
لما الرحمة تغادر السماعة، يبقى الطبيب أقرب للتاجر منو للحكيم.
باص
قال سقراط:
جني وجن ناكر الجميل
وجني وجن الزول الثقيل
وجني وجن البطعن في ضل الفيل
خاتمة
قيل له: ثم من يا سقراط؟
قال:
جني وجن التاجر الجشع الما بيرضى بالربح القليل.









