على حافة الضوء
د. عمار برهان
وُلد الروائي الكبير باولو كويلو في ريو دي جانيرو عام 1947 داخل أسرة برازيلية من الطبقة الوسطى، كان والده مهندساً ووالدته ربة منزل، منذ طفولته انجذب إلى الكتابة، بينما أحاطت به تربية كاثوليكية صارمة وأسئلة مبكرة عن الحرية والمصير والإيمان، تلك المسافة بين ما يطلبه المجتمع وما يصغي إليه القلب أصبحت لاحقاً النبع الخفي لمعظم أعماله، وقبل أن يستقر في الرواية عاش كويلو حياة حافلة وعمل في المسرح ممثلاً ومخرجاً، ثم كتب الأغاني، وخاض الصحافة، وارتحل بين بلدان وثقافات مختلفة، في شبابه اقترب من أجواء حركة الهيبيين، وبحث عن معنى يتجاوز إيقاع الحياة اليومية، استقرت تجاربه العاصفة في ذاكرته مادةً سردية، وتحولت إلى رموز عن الخوف والرغبة والاختيار
أصدر عام 1982 كتاب (أرشيف الجحيم) فمرّ بهدوء وبقي بعيداً عن الحضور المنتظر في المشهد الثقافي لكن جاء التحول الحاسم سنة 1986، حين سار في طريق سانتياغو الشهير وصولاً إلى سانتياغو دي كومبوستيلا في شمال غربي إسبانيا، حملت الرحلة طابعاً روحياً عميقاً، ودفعت به إلى إعادة قراءة حياته، دوّن أثرها في كتاب (الحج) الصادر عام 1987، ثم نشر (الخيميائي) عام 1988، تروي (الخيميائي) حكاية سانتياغو، الراعي الأندلسي الذي يغادر عالمه المألوف باحثاً عن كنز قرب أهرامات مصر. في الطريق يقابل أشخاصاً يفتحون أمامه أبواب الحكمة، ويمر بالخسارة والحب والخطر والصحراء، تتحول الرحلة الخارجية إلى رحلة داخلية، ويصبح الكنز سؤالاً عن الشجاعة، وعن قدرة الإنسان على سماع صوته وسط ضجيج التوقعات.
انتشرت الرواية عالمياً، وتُرجمت إلى نحو ثمانين لغة، وتجاوزت مبيعاتها مئة مليون نسخة، سر جاذبيتها يرتبط ببساطة الحكاية واتساع دلالتها فكل قارئ يستطيع أن يرى نفسه في سانتياغو، خصوصاً حين يقف عند بداية طريق مجهول، هنا يقترب كويلو من جيل الشباب فيخاطب القلق الذي يسبق القرار، والرغبة في حياة تحمل معنى، والخوف الذي يتخفى داخل التأجيل، ويكتب كويلو بلغة شفافة، تميل إلى الأمثال والإشارات والحوارات القصيرة، عالمه مليء بالأحلام والحدس والمصادفات والرموز، وفي قلبه فكرة متكررة، الإنسان يتشكل عبر الرحلة، والاختيارات الصغيرة قد تغيّر اتجاه العمر، انقسم النقاد حول هذه البساطة فرآها بعضهم اختزالاً فلسفياً، ورآها ملايين القراء باباً واسعاً للتأمل.
تصل الحكمة عند كويلو عبر صورة سهلة الحفظ: حجر على الطريق، ريح تعبر الصحراء، لقاء عابر، حلم يتكرر، أو شخص يظهر في اللحظة التي يحتاج فيها البطل إلى علامة، هذه التقنية تمنح نصوصه إيقاعاً قريباً من الحكايات القديمة، مع حساسية معاصرة تفهم ارتباك الإنسان أمام الدراسة والعمل والعلاقات والهوية. قارئ اليوم يلتقي في رواياته سؤالاً مألوفاً أي صوت يستحق الاتباع حين تتزاحم نصائح الآخرين؟ ويقترح كويلو أن الخبرة تنضج بالمحاولة، وأن المعنى يُكتشف خلال الحركة ولهذا تحولت عباراته إلى اقتباسات واسعة الانتشار، وعباراته الموثقة تستمد قوتها وجاذبيتها العميقة من سياق الحكاية الأصلي ومن اللحظة التي يدرك فيها البطل أن العالم الخارجي يضيء ما كان كامناً داخله، وبذلك تصير القراءة معه تدريباً هادئاً على الانتباه والجرأة ومسؤولية الاختيار الشخصي، وتتكرر هذه الروح في أعمال مثل (بريدا) و(فيرونيكا تقرر أن تموت) و(إحدى عشرة دقيقة) كما نلمس هذا الاتجاه في الكتابة ضمن أعماله الأخرى مثل (الشيطان والآنسة بريم) و(الجبل الخامس) و(ساحرة بورتوبيللو) و(الفائز يبقى وحيداً) و(مخطوطة عُثر عليها في أكرا)، تتنوع الموضوعات بين الحب والموت والرغبة والسلطة والإيمان، بينما يبقى السؤال واحداً كيف يعيش المرء حياته بوعي كامل؟
قيمة كويلو الأدبية تنبع من قدرته على جعل الفكرة الروحية قريبة من التجربة اليومية، أبطاله أشخاص عاديون يواجهون مفترقات قاسية، ثم يكتشفون أن الطريق يكشفهم لأنفسهم. لهذا تبدو كتبه شبيهة بمرايا متنقلة؛ يفتحها القارئ بحثاً عن قصة، فيجد سؤالاً يخصه، وذكرى ظن أنه تجاوزها، وحلماً ينتظر شجاعة البداية، ربما لهذا استمر حضوره عبر أجيال متعددة، فهو يقدم الأدب بوصفه مساحة للإنصات، ويمنح القارئ فرصة للتباطؤ داخل عالم سريع، عنده تصبح الصحراء مدرسة، والرحلة امتحاناً، والحب قوة تغيير، والخوف باباً يحتاج إلى عبور وتظل رواية(الخيميائي) أشهر تجسيد لرؤيته وهي الحلم يستحق السير، والطريق يمنح صاحبه كنوزاً أعمق من الغاية.













