تباشير
د. وليد محجوب
يمارس كثير من الآباء الغلظة مع أبنائهم ظناً منهم أنها السبيل الأمثل لتحقيق تربية سليمة، وعادةً ما يصاحب الغلظة سيل جارف من النقد مصحوباً بنظراتٍ حادة تقتل فيهم أي محاولة لتفسير السلوك الذي يراه الوالد معوجاً، فهذه الحدة وحدها هي القادرة على شَدِّ عود الولد وغرس الرجولة فيه، إنه سلوك مستمر من زمن “ليكم اللحم ولينا العظم”..
فاللين ضعف، ومظاهر الحنان تكسو الأبناء بالجرأة على مخالفة الأوامر والإعتداد بآرائهم، ولأنهم لا يدركون مكامن مصلحتهم ولا يملكون معينات استبصار عواقب أفكارهم لابد من تحصينهم ضد ما يعتقدون، بل ربما ذهب بعض الآباء في إتجاه إستنساخ أنفسهم وتجاربهم في أبنائهم دون النظر لقدراتهم وميولهم والتي قد تكون مختلفةً عنهم، وذلك غرسٌ في أرض لا تصلح له.
هكذا يصنع الآباء هوةً بينهم وبين فلذات أكبادهم، وسترسم هذه الفواصل ملامح العلاقة المستقبلية بين الجيلين، وهنا تبرز عدة أسئلة للأبناء، من أهمها السؤال عن دورهم في ترميم العلاقة مع أهلهم بما يحقق رغباتهم المشروعة دون الوقوع في براثن العقوق المُهلكة.
يرفع كثير من الأبناء راية الإستسلام أمام تحدي بناء علاقة سليمة مع الوالدين تتحق من خلالها إرادتهم مع تفهم والديهم، ذلك تحدٍ صعب في ظل استعصام الآباء بقسوةٍ هي الترياق في ظنهم ضد قواصم الزمن، لكن مفترق الطرق هذا لا يقود إلا إلى طريقين استمرار الجفوة أو إرساء علاقةٍ سليمة تقوم على فهم دوافع الطرفين لبعضهما البعض.
أولى الخطى للوصول لعلاقة أسريةٍ صحِيَّة هي فتح قنوات تواصل ودية، فمشاركة الآباء في إهتماماتهم الرياضية أو الثقافية أو الإجتماعية يُجَسِّر الهوة بينهم وبين أبنائهم، ولنكن واقعيين، تلك مهمة ليست باليسيرة، لكنها ممكنة وثمارها تفاهم دائماً ما تعقبه عبارة ” قلت كده يا ولدي؟ سمح”، فتكتسي العلاقة بينهما سماح.
ثم الإهتمام بتفاصيل حياتهم الخاصة مثل مرافقته لحلاق يثق الإبن في مهارته أو الإهتمام بجاهزية “جلابية الجمعة” والحديث فيما يسُرُّه، بل حتى دعوته لكوب عصير أو وجبة تُغير المزاج، تلك التفاصيل الصغيرة قد تكون مفتاحاً لمغاليق كبيرة، وغالباً ما تكون سبباً في لين قلوبٍ قاسية في ظاهرها وفي باطنها حنانٌ مخبوء.
لماذا كل هذا العناء؟ قديماً قيل: “الطبيعة جبل” فليس من اليسير تغير طبيعة الآباء إلا بسلوك طرق غير تقليدية، ثم إن حاجة الأبناء لهم لا يمكن إنكارها وإن تباعدت خطوط التلاقي، فليس على الأرض من هو أكثر حباً للإبن واهتماماً به من والده وإن تَغَلَّف حبه بقسوةٍ منفرة.
لذلك فالكلام المنساب من القلب بصدق يأخذ طريقه إلى الأفئدة، يطرق بابها برفقٍ ويمارس تفوقه فتلين النفوس، والوالدين أحق الناس بلين الكلام، “ولا تقل لهما أوفٍ”، فترك مغاضبتهما ونقر الرأي بالرأي ليس بعجز، بل الحصيف من يحفظ ودهما وينسج لنفسه ما يزاحم به أبواب الجنة.
من المؤسف ألا يتردد الأبناء في تَلَمُّس كل السبل لخلق روابط مع أقرانهم، يتحملون نزقهم ويتجاوزون عن مساوئهم، تَحَمُّلٌ لا يُطيقون ممارسته مع آبائهم، وهم عطر الحياة، فالوالدين، بغريزة لا يملكها غيرهما، يشكلان مصدر الحماية وإحساس الرضا عن الذات حينما يتغلب الأبناء على عقبات الحياة، فيزداد تقديرهم لأنفسهم بسبب القرارات المُثمرة التي يتخذونها، هكذا يكون بناء الشخصية الصحيح، فالتردد والتلبث في تلمس ما يُحسِّن العلاقة مع الوالدين يغرس الحسرة.
ما أقسى الندم، فقبل الوقوف على شرفات الوداع وسكب الدموع على أيادِ لم تُقَبَّل قَبْلَ رحيلها، ومشاعر ضَنَّ بها إبنٌ على والده بظن القسوة، تكون الحصافة في إسباغ وُدٍ لا يُنتِجُ إلا ودا، ودوننا قول النبي صلى الله عليه وسلم: “رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف” قيل من يا رسول الله، قال: “من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة”.












