تباشير
د. وليد محجوب
منذ أن أشرق الوعي في قلب الإنسان، ظلَّ التعليم أقدس رسائله؛ به تُبنى العقول، وتُصان الحضارات، وتنهض الأمم. وليس أدلَّ على سموِّ منزلته من أن الله شرَّف به أنبياءه، فجعلهم معلمين وهادين، واستهلَّ آخر رسالاته إلى البشرية بأول كلمة في الوحي: ﴿اقرأ﴾؛ لتبقى المعرفة مفتاح الإيمان، والعلم أول الطريق إلى إعمار الأرض.
ما كان التعليم يوماً تلقيناً للمعلومات فحسب، بل كان صناعةً للإنسان، وتهذيباً للروح، وبناءً للعقل، وغرساً للقيم التي تمتد آثارها في الأجيال كما تمتد ظلال الشجرة الطيبة في الأرض فتكسوها بالسكينة و غَضَارَةُ العَيْش.
لذلك، لم يكن المعلم في ضمير الأمم مجرد موظف يؤدي واجباً ثم ينصرف؛ بل كان أبًا ثانيًا، ومربيًا، وغارسًا لبذورٍ لا يُرى ثمرها إلا بعد حين. فهو صاحب الأثر الذي يبقى في الأرواح بعد أن تُنسى الدروس وتغيب الامتحانات. فكم من كلمةٍ حانية قالها معلمٌ لتلميذه فبدَّلت وجهة حياته، وكم من ابتسامةٍ صادقة بعثت الطمأنينة في نفسه.
إن العلاقة بين المعلم وطلابه ليست مجرد صلةٍ بين ناقلٍ للمعرفة ومتلقٍ لها، بل هي ميثاقٌ إنسانيٌّ رفيع، قوامه الاحترام المتبادل، وروحه الرحمة، ولسانه حسن الإصغاء، وميزانه العدل؛ فإذا استقامت هذه الأركان، أثمرت تعليماً يلامس العقل، ويسكن القلب. وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم المًعلِّم الأعظم، فما عُرف عنه تعنيف مُتَعَلِّم أو تحقير سائل، بل قال عنه الصحابي معاوية بن الحكم السلمي، حيث قال بعد أن أخطأ في الصلاة فكلمه النبي صلى الله عليه وسلم برفق ولطف: “فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي”.
فقد كان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يخاطب الناس على قدر عقولهم، ويصبر على أخطائهم، ويأخذ بأيديهم نحو الصواب برفقٍ وحكمة.
غير أن بعض المعلمين ما زالوا يظنون أن الهيبة لا تقوم إلا على الخشونة، وأن الانضباط لا يتحقق إلا برفع الصوت، وحزم السلم، وأن الفجوة بينهم وبين طلابهم دليل وقارٍ ومكانة. فيبنون بينهم وبين تلاميذهم أسواراً عالية من الخوف، حتى يصبح الفصل مكاناً للصمت والترقُّب لا للتعلم، وللتلقين لا للحوار. وعندها يختبئ السؤال في الصدور، وتتوارى المواهب خلف ستار الرهبة، ويصبح النجاح مجرد أرقامٍ على الورق لا أثراً لها في قادمات أيامهم حين تعركهم الحياة.
ولعل أخطر ما تتركه العلاقة غير السَوِيَّة بين المعلم وطلابه أنها تصنع أجيالاً تحفظ ولا تفهم، وتخشى الخطأ أكثر مما تبحث عن الصواب. فالطالب الذي لا يجد من معلمه التقدير سرعان ما يفقد ثقته بنفسه، وربما حمل جرحاً نفسياً يرافقه سنواتٍ طويلة. والكلمة القاسية قد تُنسِي درساً كاملاً، لكنها لا تُنسَىٰ من الذاكرة بسهولة.
أما حين يسود الود والاحترام، فإن المدرسة تتحول إلى بيئةٍ جاذبة، ويصبح المعلم قدوة قبل أن يكون شارحاً للمقررات. عندها ينبت الإبداع، ويزهر الطموح، ويشعر الطالب أن نجاحه قضية يشترك فيها معلمه معه لا امتحانٌ يواجهه وحده.
وقد أحسن القائل حين قال: “الناس أبناء الإحسان”. فالقلوب تُفتح بالمودة أكثر مما تُفتح بالأوامر، والعقول تستجيب لمن يقترب منها لا لمن يتعالى عليها أو يُجافيها. وإذا احتاج الأبناء في البيوت إلى دفء المشاعر، فإن الطلاب في المدارس أحوج ما يكونون إلى معلمٍ يرى فيهم مشاريع مستقبل لا أرقاماً في كشف الحضور والغياب.
فهل ندرك أن بناء الإنسان يبدأ بكلمة طيبة، ونظرة تقدير، ويدٍ تمتد بالعون لا بالعقاب؟ إن المعلم الذي يزرع المحبة يحصد الاحترام، والذي يغرس الثقة يجني النجاح، وما بين هذا وذاك تتشكل أجيالٌ قادرة على النهوض بأوطانها، لأن من تعلم في ظل الرحمة سيحملها معه إلى الناس جميعاً.












