مواقف وسوالف
خالد الضبياني
لم يعد الهاتف مجرد وسيلة للاتصال أو متابعة الأخبار بل أصبح ضيفًا دائمًا في بيوتنا يجلس معنا على مائدة الطعام وفي غرفة الجلوس وحتى في اللحظات التي يفترض أن تكون مخصصة للحديث والأنس بين أفراد الأسرة. قد تجد الأب والأم والأبناء جميعهم في غرفة واحدة لكن كل واحد منهم يعيش في عالم مختلف. هذا يتابع مقطع فيديو وذاك يراسل عبر واتساب وآخر يتصفح فيسبوك بينما ينشغل أحدهم بلعبة أو مسلسل على هاتفه. أجسادهم متقاربة لكن عقولهم واهتماماتهم بعيدة عن بعضها. الأخ قد يتحدث إلى أخيه فلا يسمعه والزوجة تنادي زوجها فيجيبها دون أن يفهم ما قالت والأب يحاول فتح حديث مع أبنائه فيكتشف أن كل واحد منهم مشغول بشاشته. وهكذا يتحول البيت تدريجيًا من مكان للحوار والتواصل إلى مجرد مساحة يتواجد فيها أشخاص منشغلون عن بعضهم. المفارقة أن الهاتف الذي جاء ليقرب البعيدين أصبح أحيانًا سببًا في إبعاد القريبين. والأخطر أن هذا الانشغال لا يبدو مشكلة كبيرة في بدايته دقائق قليلة على الهاتف تتحول إلى ساعات ومحادثة بسيطة تصبح تصفحًا متواصلًا حتى يصبح وجود الهاتف شرطًا أساسيًا للجلوس. وقد لا يجتمع أفراد الأسرة على حديث حقيقي إلا عندما تنفد باقة الإنترنت أو تنخفض بطارية الهاتف. والمشكلة ليست في الهاتف نفسه فهو وسيلة مهمة ولا يمكن الاستغناء عنه وإنما في الطريقة التي نستخدمه بها. عندما يأخذ الهاتف من وقت الأسرة أكثر مما يعطيها وعندما يصبح الاهتمام بما يحدث خلف الشاشة أكبر من الاهتمام بمن يجلس بجوارنا فإننا نحتاج إلى وقفة. الأسرة لا تحتاج دائمًا إلى رحلة أو مناسبة كبيرة حتى تجتمع. أحيانًا تحتاج فقط إلى نصف ساعة بلا هواتف يتحدث فيها الأب مع أبنائه وتستمع الأم إلى أبنائها ويتبادلالإخوة الحديث والضحك والذكريات. فاللحظات التي نعيشها مع أهلنا لا تُعاد أما الرسائل والمقاطع والمنشورات فستظل موجودة.لذلك ربما نحتاج إلى أن نضع الهاتف جانبًا قليلًا ونرفع رؤوسنا من الشاشات وننظر إلى وجوه من نحب.فليس مؤلمًا أن تنتهي بطارية الهاتف المؤلم أن تنتهي جلسة الأسرة دون أن يتحدث أفرادها مع بعضهم.













