داليا الأسد
هذا المثل الشعبي السوداني الشهير يُضرب لتفضيل المصائب الصحية العابرة على النكد والمشكلات الزوجية أو الأسرية المستمرة، وفي المجتمع ككل.
والمعنى التفصيلي للمثل أن بيت الجدري هو البيت الذي يُصاب أهله بمرض الجدري، ورغم أنه مرض خطير وصعب، إلا أنه في النهاية مرض معلوم وله فترة محددة ثم ينتهي. أما بيت النقري، فهو مشتق من “النَّقِر” أو “النَّقْنَقَة”، أي كثرة الكلام، والجدال الممتد، والتدقيق في صغائر الأمور، والمشكلات الدائمة بين أفراد البيت الصغير والمجتمع الكبير.
فالحكمة من هذا المثل توضح أن العيش في بيت مليء بالمرض الجسدي، كالجدري، أرحم بكثير من العيش في بيت يسوده النكد، والمشكلات الدائمة، وضيق الأخلاق؛ لأن المرض يمكن أن يُشفى منه الجسد، أما نكد “النقري” فإنه يورث الهم الدائم، ويصيب النفس بالجنون والشقاء المستمر، ويفقد الإنسان راحته، وقد يقوده إلى المرض النفسي الحقيقي، ومن ثم إلى الموت.
ومن هذا المثل يتلخص لنا أن كثرة النقاشات والتناحر في المجتمعات هي نتيجة لتداخل عوامل نفسية واجتماعية، أبرزها هيمنة الأفكار المتعصبة، وغياب ثقافة قبول الآخر، والتأثير السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي التي تعزز الاستقطاب. ولحل هذه الظاهرة، يجب التركيز على تعزيز الحوار العقلاني، وإرساء قيم المواطنة.
ومن أسباب كثرة النقاشات والتناحر والإقصاء لجوء الأطراف إلى التشبث بالرأي، ورفض الاستماع إلى وجهات النظر الأخرى، مما يحول الاختلاف إلى تصادم. كما أسهم الفضاء الرقمي في تحويل وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصات تعزز “عقلية القطيع”، وسرعة إصدار الأحكام، وترويج الشائعات، وسيادة لغة التخوين، إلى جانب تداخل الخاص بالعام.
فإقحام القضايا الشخصية والفردية في النقاشات العامة والمؤسسية يفقد الحوار عقلانيته، ويحوّله إلى معارك شخصية، مما يعزز الجهل بالقضايا المطروحة، والانسياق خلف العواطف والشعارات الرنانة، دون فحص أو تمحيص للحقائق.
ومن هنا نجد خطوات عملية تحد من التناحر، وتسهم في بناء مجتمع متماسك، منها: الاستماع الفعّال الذي يركز على فهم وجهة نظر الطرف الآخر، بدلاً من الاستعداد المسبق للرد أو تسفيه الرأي المخالف، وفصل الأشخاص عن الأفكار، ومناقشة القضايا بموضوعية، وتجنب الهجوم الشخصي أو التجريح، والتحقق من المعلومات، وتفعيل التفكير النقدي، وتجنب نشر أو تصديق كل ما يُتداول في الشبكات الاجتماعية قبل التأكد من مصادره الموثوقة.
لذلك، يجب تعزيز التربية الإعلامية، ودعم البرامج التعليمية والمبادرات التي تنشر ثقافة الحوار، لتمكين الأفراد من التعبير عن آرائهم باحترام ووعي، والحد من الخلاف في الرأي، حتى يصبح ظاهرة صحية تدفع نحو التطور. فالحكمة تتطلب أن نتحاور، وأن ندرك أن قوة المجتمعات تكمن في تنوعها وتماسكها.












