على حافة الضوء
د. عمار برهان
تدعونا تاسيتي إلى قراءة نشأة الحضارة من مستوى أعمق من القصور والتيجان: مستوى الإنسان الذي حوّل البيئة الصعبة إلى نظام للعيش، وجعل الحركة الموسمية أساساً للترابط، وصاغ من الحرفة والدفن والذاكرة علاماتٍ للانتماء، وتكتسب هذه القراءة أهميتها من مراجعة تاريخ البحث نفسه؛ فقد أوضحت عالمة الآثار كلوديا نيزر أن الدراسات الكوشية تأثرت طويلاً بالمركزية المصرية وبإرث المؤسسات الاستعمارية، ولهذا يفتح النظر إلى تاسيتي من داخل مجتمعها باباً لفهم وادي النيل بوصفه مجالاً أفريقياً نشأ من تاسيتي ثم صار متعدد المراكز
فرضت منطقة الشلالات إيقاعاً خاصاً على سكانها، فالأرض الزراعية الضيقة والصخور الجرانيتية ومداخل الأودية وتقلب موارد الماء والمرعى، دفعت الجماعات إلى الجمع بين الرعي والصيد وصيد الأسماك والاستفادة الموسمية من نباتات الوادي، ويرى ديفيد وينغرو وزملاؤه أن مجتمعات النيل كوّنت خلال العصر الحجري الحديث أفقاً ثقافياً واسعاً أطلقوا عليه (الجماعة الرعوية الأولى) وربطوا تطور مصر المبكر بجيرانها في النوبة ووسط السودان، وتشير نتائجهم إلى أن بعض سمات هذا الأفق القوية ظهرت في الجزء السوداني قبل امتدادها شمالاً، وتظهر عبقرية هذا المجتمع في علاقته بالمكان، فقد أقيمت المدافن على المرتفعات وعند مخارج الأودية حيث تُرى من طرق الحركة ومناطق الرعي، هكذا أصبح الأسلاف علاماتٍ جغرافية تحفظ صلة الجماعة بالأرض وتربط الأجيال بمساراتها وتوحي نتائج وينغرو بأن الاستقرار المعنوي سبق الاستقرار العمراني الكامل، فالمعسكرات تحركت مع الفصول، بينما ظلت أماكن الدفن مراكز ثابتة للذاكرة والولاء والطقوس الدينية والمجتمعية، ومن هنا تكوّن الإقليم السياسي في الوعي قبل أن تحدده الخرائط والجدران.
وتمنحنا صناعة الفخار نافذة على الحياة اليومية التي غابت خلف أخبار الملوك. ففي دراسة حديثة لموقع نجع القرملة قرب الشلال الأول، حددت جايد باجيو – وماري أونبي – وماريا كارميلا جاتو – ثلاث تقاليد تقنية متزامنة في مجتمع صغير، لكل تقليد طريقة خاصة في اختيار الطين وتشكيله وصقله وحرقه، وهي مهارات يتعلمها الصانع منذ الطفولة داخل جماعته وتكشف الأواني هنا حركة البشر والمعرفة، ويرجح الباحثون صلات شملت التعاون، وانتقال الحرفيين، والمصاهرة، وتجاور أنماط المعيشة المتنقلة والمستقرة. وقد وصفت الدراسة هذا الواقع بأنه (نظام مرن من التفاعلات، وتساعد هذه الصورة على فهم الهوية في تاسيتي، فهنرييت هافساس تصف الحد الفاصل بين جماعات النوبة وصعيد الوادي بأنه (حد اجتماعي يعبره الناس والأشياء) وهي تعني العبارة أن الاتصال صنع الوعي بالذات، وأن الاختلاف الثقافي نضج داخل الاحتكاك والمنافسة وتبادل الخبرات، وتقترح هافساس أيضاً أن بعض موجات العنف في منتصف الألف الرابع أسهمت في تقوية الانتماء الجماعي وهي قراءة تضع الصراع ضمن عوامل تكوين الهوية إلى جانب الزواج والتبادل والطقوس، وتقدم هافساس مفهوماً آخر مهماً هو (التنظيم الأفقي المتعدد المراكز) فقد رأت أن التبادل المبكر شجع شبكة من الأسر والوسطاء والرعاة وأصحاب المهارات، حيث توزعت القوة بين أطراف مترابطة، ويوسع هذا التصور معنى الدولة المبكرة فالحكم المنظم قد ينمو عبر التحالفات والقرابة وإدارة الطرق والموارد والاحتفالات العامة، ثم يتجه مع الزمن نحو تركيز السلطة، وتاسيتي بهذا المعنى تكشف مرحلة حية بين المجتمع المحلي والكيان السياسي الواسع.
ويقدم عالم الأنثروبولوجيا فريدريك بارث مفتاحاً مناسباً لهذه القراءة حين دعا إلى (رسم شبكات العلاقات والروابط بصورة منهجية) لأنها تعيد تشكيل فهمنا لأنماط التنظيم الأفريقي، وفي تاسيتي تتقاطع بالفعل شبكات النهر والصحراء، والحرفة والقرابة، والذاكرة والحركة، لذلك تبدو الحضارة هنا عملية تراكم اجتماعي لأنها معرفة تنتقل باليد، وأرض تحفظها الطقوس، وهوية تقوى بالاتصال، وسلطة تنشأ من القدرة على تنسيق جماعات متعددة.
تكمن قيمة تاسيتي في أنها تعلمنا كيف تبدأ الحضارات قبل اكتمال مؤسساتها الكبرى، تبدأ حين يتحول الطريق إلى شبكة، والحرفة إلى ذاكرة، والمدفن إلى إعلان انتماء، والتنوع إلى قدرة على التنظيم، ومن هذه العناصر تشكل في شمال السودان القديم مجتمع امتلك وعياً بالمكان، وتقاليد راسخة، وعلاقات واسعة، وأدوات لإدارة الاختلاف. وهكذا تقف تاسيتي شاهداً على أن جنوب وادي النيل كان مختبراً مبكراً لصناعة المجتمع السياسي والهوية الحضارية في أفريقيا، وعلى الأجيال المتعاقبة في السودان وفي العالم بأسره الاهتمام بهذه الحضارة الإنسانية العظيمة والافتخار بها لأنها مساهمة كبيرة فيما أنتجته البشرية من حضارة.













