تألق في ليلة وفاء الراحل عبد المنعم الخالدي

فنان الزمن الجميل يخطف الأضواء مجدداً
محبة الجمهور تكتب أجمل مشاهد الأمسية
رغم الجراحة.. أبدع وأمتع الحضور
إبراهيم عوض ـ آكشن سبورت
لم يكن ظهور الفنان الكبير محمود تاور في أمسية تخليد ذكرى الفنان الراحل عبد المنعم الخالدي حدثاً عادياً، بل كان رسالة طمأنينة لكل محبيه، ودليلاً جديداً على أن الفنان الحقيقي يبقى قادراً على أسر القلوب مهما تعاقبت السنوات وتبدلت الظروف. فمنذ اللحظة التي اعتلى فيها المسرح، بدا واضحاً أن الجمهور جاء ليستمع إلى صوت ظل لعقود عنواناً للطرب السوداني الأصيل، وأن الأمسية ستبدأ من حيث يبدأ الإبداع الحقيقي.
بداية مبهرة
اختير تاور لافتتاح الأمسية، فكان الاختيار في محله. استقبل الجمهور بتحيته المعهودة الممزوجة بالأدب والتواضع، قبل أن يقدم أغنيتين شكلتا خير استهلال للبرنامج، وأعلنتا منذ الدقائق الأولى نجاح ليلة الوفاء للفنان الراحل عبد المنعم الخالدي.
لم يحتاج محمود تاور إلى مقدمات طويلة، فحضوره وحده كان كافياً ليشعل التصفيق، وصوته كان كفيلاً بأن يعيد الجمهور إلى أجمل محطات الأغنية السودانية.
اعتذار مؤثر
جلس محمود تاور على كرسي طوال فقرته الغنائية، وقبل أن يبدأ، اعتذر للجمهور الذي تجاوز حضوره ثلاثة آلاف شخص، موضحاً أنه اضطر للغناء جالساً بعد خضوعه أخيراً لعملية جراحية في قدمه.
اعتذار اتسم بالبساطة والتواضع، لكن الجمهور رد عليه بتصفيق طويل، وكأنه يقول للفنان الكبير إن حضوره وحده يكفي، وإن قيمة الفنان لا تقاس بوقوفه على المسرح، وإنما بما يقدمه من فن وإحساس.
إحساس متجدد
ما إن انطلقت الأغنيات حتى اختفى الكرسي من ذاكرة الحاضرين، وبقي صوت محمود تاور وحده سيد المشهد.
غنى بكل إحساسه، وعاش تفاصيل الكلمات واللحن كما اعتاد جمهوره منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، عندما انطلق نجمه ليصبح أحد أبرز الأصوات السودانية.
لم يفقد صوته شيئاً من دفئه أو عذوبته، ولم تنل السنوات من حضوره أو قدرته على التواصل مع الجمهور، بل بدا أكثر نضجاً وصدقاً، وهو يغني بإحساس الفنان الذي يعرف كيف يصل إلى القلوب دون تكلف.
محبة جارفة
بعد انتهاء فقرته، واجه محمود تاور مشهداً يكشف حجم شعبيته الحقيقية.
فقد وجد صعوبة كبيرة في مغادرة الصالة، بعدما أحاط به عشرات المعجبين، يتسابقون لالتقاط الصور التذكارية، ومصافحته، وتبادل كلمات المحبة معه.
ولم يكن ذلك المشهد جديداً على فنان صنع علاقة استثنائية مع جمهوره، قائمة على الاحترام والبساطة والتواضع، قبل أن تقوم على الشهرة والنجومية.
رد عملي
خلال الأسابيع الماضية، تداولت بعض الشائعات أخباراً تحدثت عن تدهور الحالة الصحية لمحمود تاور، وزعمت أنه يعيش ظروفاً صعبة في القاهرة.
لكن الفنان الكبير اختار ألا يرد بالكلمات، بل بالفعل.
ظهر على مسرح الرياض متماسكاً، متألقاً، قادراً على الغناء بنفس الإحساس الذي عرفه به الجمهور، ليقدم الرد الأقوى على كل تلك الشائعات، ويؤكد أن الفنان قد يواجه ظروفاً صحية، لكنه لا يفقد روحه ولا شغفه بالفن.
إرادة قوية
صحيح أن محمود تاور يعاني من بعض المتاعب الصحية، لكنه يواجهها بصبر وإرادة كبيرتين، دون أن يسمح لها بأن تبعده عن جمهوره أو تقلل من عطائه الفني.
وقد أثبت ذلك عملياً عندما شد الرحال من جدة إلى الرياض للمشاركة في هذه المناسبة، رغم ظروفه الصحية، وفاءً لصديقه الراحل عبد المنعم الخالدي، وتقديراً لأسرته ولجمهوره.
وكان الرجل ومذن وصوله الرياض محل حفاوة أفراد أسرة الراحل، واللجنة المنظمة، وعدد من الفنانين والإعلاميين، الذين حرصوا على الترحيب به، تقديراً لمكانته الكبيرة في الساحة الفنية السودانية.
أناقة لافتة
لم يكن الصوت وحده ما لفت الأنظار، بل أيضاً حضور محمود تاور الأنيق.
فقد ظهر بإطلالة تعكس شخصيته الهادئة وذوقه الرفيع، ليؤكد أن الأناقة بالنسبة له ليست مظهراً فقط، وإنما جزء من احترام الفنان لجمهوره وللمسرح الذي يقف عليه.
ومن يعرف محمود تاور يدرك أن هذه الصورة لازمته طوال مسيرته الفنية، حيث ظل محافظاً على وقاره وهيبته، ليصبح نموذجاً للفنان الذي يجمع بين الأخلاق الرفيعة والفن الجميل.
تاريخ ممتد
على امتداد مسيرته، ظل محمود تاور واحداً من أبرز الأصوات التي أثرت الأغنية السودانية، وقدم أعمالاً أصبحت جزءاً من ذاكرة المستمعين، بفضل صوته الطروب، وأسلوبه الخاص في الأداء، واختياراته الفنية التي حافظت على أصالة الأغنية السودانية.
ولذلك لم يكن غريباً أن يكون ظهوره في أمسية الوفاء واحداً من أبرز محطات الحفل، وأن يحظى بكل ذلك التقدير من الجمهور، الذي ظل يردد أغنياته ويتفاعل معها حتى آخر لحظة.
رسالة وفاء
وجود محمود تاور في هذه الليلة لم يكن مجرد مشاركة فنية، بل كان رسالة وفاء لفنان جمعته به سنوات طويلة من المحبة والزمالة.
وبصوته العذب، وحضوره الأنيق، وأخلاقه الرفيعة، أكد مرة أخرى أن الفنان الحقيقي لا تصنعه الأضواء وحدها، وإنما يصنعه تاريخه، واحترامه لجمهوره، وصدق إحساسه.
ولهذا، خرج محمود تاور من صالة الحفل كما دخلها… محاطاً بمحبة الناس، ومحمولاً على أكتاف التقدير، مؤكداً أن الأصوات الجميلة قد يمر عليها الزمن، لكنها لا تشيخ أبداً.













