صلاح محمد عبد الدائم (شكوكو)
▪️يعتقد الكثيرون أن مصطلح (تعفن الدماغ) وليد منصات التيك توك وفيديوهات الريلز القصيرة .. لكن الحقيقة التاريخية تكشف غير ذلك.
▪️إذ يعود أول استخدام مسجل للعبارة إلى عام 1854 .. حين استخدمه الشاعر والفيلسوف الأمريكي هنري ديفيد ثورو في كتابه الشهير (والدن) .
▪️انتقد الكاتب حينها ميل المجتمع إلى إهمال الأفكار العميقة والمعقدة وتفضيل الأفكار السطحية البسيطة.
▪️أما في العصر الحالي .. فقد أعادت (ثقافة الإنترنت) إحياء المصطلح ليعبر بدقة عن الحالة الذهنية المزرية التي تصيب الأفراد .. نتيجة قضاء ساعات طويلة في التمرير اللانهائي للمشاهدات (Doomscrolling) وذلك حال مشاهدة مقاطع عبثية وميمات إنترنت التي تفتقر إلى أي قيمة معرفية.
▪️كيف يؤثر (تعفن الدماغ) على الإدراك؟ من جهة المنظور العلمي ؟؟ .
▪️الحقبقة ان الدماغ لا يتلف بيولوجياً أو يتعفن مادياً أثناء الحياة .. لكن الإفراط الرقمي يترك آثاراً سلبية حقيقية على البنية الوظيفية للعقل .. تتمثل هذه الآثار في إجهاد نظام الدوبامين بسبب التمرير المستمر بين الفيديوهات القصيرة .. والذي يمنح الدماغ دفقات سريعة ومتتالية من هرمون المتعة (الدوبامين).
▪️هذا التحفيز المفرط يؤدي بمرور الوقت إلى إجهاد العقل واستنزافه .. مما يقلل القدرة على التركيز في المهام التي تتطلب جهداً طويلاً وعمقا مثل القراءة والتفكير والتأمل.
▪️كذلك تشير أبحاث من جامعتي هارفارد وأكسفورد إلى أن الإدمان على وسائل التواصل الاجتماعي يرتبط بانخفاض حجم المادة الرمادية في مناطق الدماغ المسؤولة عن الانتباه والذاكرة.
▪️هذه بدورها تؤدي الى تشتت الانتباه وضبابية الاستعاب .. بسبب استهلاك كميات هائلة من المعلومات السطحية (غير الراسخة) في آن واحد .. مما يصيب المستخدم بما يُعرف بـ الضباب العقلي (Mental Fog) حيث يجد الشخص صعوبة بالغة في اتخاذ القرارات .. وحل المشكلات .. والاحتفاظ بالذكريات قصيرة المدى.
▪️المؤشرات والأعراض السلوكية التي يمكن الاستدلال منها على إصابة الفرد بحالة التعفن الدماغي تتكشف من خلال عدة سلوكيات شائعة .. مثل العجز التام عن الجلوس لدقائق معدودة دون التحقق من الهاتف المحمول.
▪️كذلك تراجع القدرة على قراءة مقال طويل أو مشاهدة فيلم وثائقي دون الشعور بالملل السريع.
▪️كذلك من خلال التحدث باستخدام مصطلحات وميمات الإنترنت العبثية في الحياة الواقعية بشكل مفرط وغير واعي.
▪️كذلك منها الشعور بالإرهاق الذهني الدائم رغم عدم بذل أي مجهود بدني أو فكري حقيقي.
▪️هنا يبرز السؤال الاهم .. هل يمكن استعادة التوازن العقلي لحماية العقل من هذا التدهور المعرفي الخير ؟؟ .
▪️يوصي علماء الأعصاب وخبراء علم النفس باتباع خطوات عملية لإعادة (ضبط مصنع) واعادته الى الحالة الطبيعية من خلال .
▪️الصيام الرقمي الصارم .. بتخصيص ساعات محددة يومياً لإغلاق الهاتف تماماً .. وخاصة قبل النوم .. لمنح الجهاز (الغليمفاوي) في الدماغ فرصة للتخلص من السموم الفكرية أثناء النوم العميق.
▪️كذلك لابد من تحفيز العقل بالجهد البديل .. وهو ممارسة أنشطة تتطلب جهداً ذهنياً يعيد التوازن بين الجهد والمكافأة .. مثال حل الكلمات المتقاطعة .. أو قراءة الكتب الورقية .. أو تعلم لغة جديدة.
▪️كذلك الحد من تعدد المهام الرقمية .. والتوقف عن التنقل السريع بين التطبيقات المختلفة والمتجاورة (كالانتقال من البريد الإلكتروني إلى الواتساب ثم تيك توك) .. لأن جزءاً من الانتباه يظل عالقاً بالنشاط السابق .. مما يستنزف طاقة الدماغ.
▪️خلاصة القول .. إن (تعفن الدماغ) هو صرخة تحذيرية في وجه الاندفاع الرقمي غير المنضبط.
▪️عقولنا عزيزي القاريء لم تُخلق لمعالجة مئات المقاطع السريعة والتافهة في الساعة الواحدة .. بل اوجدها الله لاعمالها ذاتيا في تحقيق المعرفة بالله وبمخلوقاته وتحقيق التطور والنمو في الحياة.
▪️هذا بالطبع لا يعني التخلص من التكنلوجيا .. بل تسخيرها لتنمية العقل وليس لتجميده .
▪️ان حماية هويتنا الفكرية وقدراتنا التحليلية باتت تتطلب منا اليوم شجاعة واعية لإغلاق الشاشات .. والعودة إلى عمق الحياة الواقعية.
▪️لك ان تتخيل تأثير هذه الظاهرة على الأطفال والمراهقين (جيل الغد) .. وقتها ستدرك أننا نواجه خطرا حقيقيا يتطلب الاستوقفاف .









