رندا يوسف مختار
هناك مؤسسات لا تُقاس قيمتها بعدد خريجيها فحسب، ولا بما تملكه من مبانٍ وقاعات، بل بما تتركه في وجدان الشعوب من أثر، وما تصنعه في تاريخ الأوطان من بصمات. وتظل جامعة الخرطوم واحدة من تلك المؤسسات التي تجاوزت حدود التعليم لتصبح رمزاً وطنياً، وذاكرةً حيةً لأجيال من السودانيين الذين رأوا فيها بوابةً للعلم والمعرفة وصناعة المستقبل.
ليست جامعة الخرطوم مجرد جامعة عريقة؛ إنها حكاية وطن امتدت فصولها عبر عقود طويلة، وشهدت تحولات السودان الفكرية والثقافية والاجتماعية. فمن رحابها تخرّجت أجيال حملت العلم إلى مختلف ميادين الحياة، وأسهمت في بناء المؤسسات، وخدمة المجتمع، ورفد السودان بالكفاءات في الطب والهندسة والقانون والاقتصاد والعلوم والآداب وغيرها من التخصصات.
ولذلك، فإن اسم جامعة الخرطوم ظل حاضراً في ذاكرة الأسر السودانية، بوصفه حلماً يرتبط بالتفوق، ومكانةً يطمح إليها الطلاب، وفخراً تتوارثه الأجيال. فكم من أسرة انتظرت يوم قبول ابنها أو ابنتها فيها باعتباره ثمرة سنوات من الاجتهاد والصبر، وكم من خريج ظل يحمل اسمها باعتزاز أينما حلّ وارتحل.
لكن العراقة، مهما بلغت، ليست مجرد أمجاد تُروى، بل مسؤولية تتجدد مع كل جيل. فالمؤسسات الكبرى لا تحافظ على مكانتها بتاريخها وحده، وإنما بقدرتها على مواصلة العطاء، ومواكبة التطور، وتوفير بيئة علمية تليق بطموحات الطلاب وتحديات العصر.
وقد فرضت الحرب التي يعيشها السودان واقعاً قاسياً على مؤسساته التعليمية، وجعلت الحفاظ على استمرارية التعليم واستعادة الحياة الجامعية قضية تتجاوز حدود الجامعة نفسها. فحين تتأثر الجامعات، لا تكون الخسارة في المباني والمعامل وحدها، بل تمتد إلى أحلام الطلاب، واستقرار الأسر، ومستقبل أمة تحتاج إلى العلم أكثر من أي وقت مضى.
إن الحديث عن جامعة الخرطوم اليوم ليس استدعاءً للماضي من باب الحنين فحسب، بل دعوة إلى استعادة مكانتها العلمية والرمزية، وإعادة الاعتبار للجامعات السودانية العريقة، حتى تظل وجهةً للمتفوقين، وحاضنةً للعقول، ومنارةً للبحث والإبداع.
لسنا أمام منافسة بين الماضي والحاضر، ولا بين جامعة وأخرى؛ فكل مؤسسة تعليمية تنهض برسالتها تمثل إضافةً للوطن. لكن لجامعة الخرطوم خصوصية صنعتها سنوات طويلة من التاريخ والعطاء، ومن حق هذه الخصوصية أن تتحول إلى مشروع حقيقي لاستعادة التألق، لا أن تبقى مجرد ذكرى جميلة في أحاديث الخريجين.
جامعة الخرطوم ليست حجراً وطوباً، وليست اسماً في سجل الجامعات؛ إنها جزء من حكاية السودان، ووجه من وجوه هويته العلمية والثقافية.
وإذا كانت الحرب قد أثقلت كاهل الوطن، فإن واجبنا اليوم أن نحمي ما تبقى من مؤسساته، وأن نمنح التعليم فرصةً جديدة للحياة، وأن نؤمن بأن إعادة بناء السودان تبدأ من إعادة بناء الإنسان.
ستظل جامعة الخرطوم في وجدان السودانيين عنواناً للعراقة، وشاهداً على أن العلم كان وسيظل أحد أعمدة هذا الوطن. فالتاريخ الذي صنعته لا ينبغي أن يكون محطةً أخيرة، بل أساساً لمستقبل تستعيد فيه مكانتها، وتفتح أبوابها لأجيال جديدة تكتب فصولاً أكثر إشراقاً في مسيرة السودان.
فالأوطان قد تنكسر جدرانها، وقد تتبدل ملامح مدنها، لكن نهضتها تبدأ حين تستعيد منارات العلم نورها، وتعود أحلام أبنائها أكبر من كل المحن.













