سبق عصره وصنع المجد داخل الميادين وخارجها



موهبة نادرة تجاوزت حدود الرياضة وصارت ظاهرة
«حلاوة جكسا».. هدف تحول إلى أسطورة شعبية
من جاكسون إلى «جكسا».. حكاية اسم خالد
تمسك باسم جده رغم تعقيدات الجنسية
أكاديميته توقفت.. وسيرته خلدتها المناهج
“جكسا” اسم ارتدته النساء وتذوقه الأطفال
والدته رفضت احترافه في بايرن ميونخ
أفريقيا وأولمبياد ميونخ شاهدان على عظمته
الهلال يتمسك به ويرفض عرض بوكا جونيورز
موهبته أدهشت أندية بلغاريا ورومانيا
عبد المنعم هلال ـ آكشن سبورت
وسط آلاف اللاعبين الذين مروا على الملاعب السودانية عبر العقود، ظل اسم واحد يتقدم الجميع كلما ذُكرت أساطير الكرة السودانية. اسم تهتز له القلوب، وتعود معه الذاكرة إلى زمن كانت فيه كرة القدم فناً قبل أن تصبح مهنة، وعشقاً قبل أن تتحول إلى عقود احتراف. ذلك الاسم هو نصر الدين عباس جكسا.
كلما ذُكر جكسا، حضرت أمجاد الكرة السودانية، واستعادت الجماهير لاعباً استثنائياً رأت فيه موهبة لا تتكرر، حتى لقبه كثيرون بـ«بيليه أفريقيا». عشقته الجماهير لمهارته الفذة في المراوغة وصناعة الأهداف وتسجيلها، وتسابقت الأندية العالمية لضمه، بينما تجاوز حضوره حدود المستطيل الأخضر، فحملت اسمه أزياء النساء وحلوى الأطفال، ليصبح ظاهرة اجتماعية قبل أن يكون لاعب كرة قدم.
المولد والنشأة
ولد نصر الدين عباس جكسا بحي البوستة في أم درمان في 13 أغسطس 1944، وتعلق بكرة القدم منذ طفولته المبكرة، فكان يحمل معه كرة الشراب حتى أثناء ذهابه إلى الخلوة. واكتشف موهبته الرياضية خلال سنوات الدراسة الأولية عندما برز في النشاط المدرسي.
نشأ في حي العباسية، أحد أشهر أحياء أم درمان، وكان فتى الحي الذي يلفت الأنظار كلما لامست قدماه الكرة.
ومع مجموعة من أقرانه أسس فريق المجاهد، الذي يعد أول فريق للناشئين في السودان، حيث كانوا يدفعون اشتراكاً شهرياً، ويجمعون التبرعات من سكان الحي لشراء الكرات والفانلات وصبغها، في صورة تعكس جمال وروح الرياضة السودانية في أواخر خمسينيات القرن الماضي.
سر الاسم
لعل أكثر ما يثير الدهشة في سيرة جكسا هو اسمه الذي ارتبط به حتى صار علامة خالدة.
فاللقب «جكسا» جاء تحريفاً لاسم جده لأبيه السير هاربرت هنري جاكسون، آخر حاكم للإقليم الشمالي خلال فترة الاستعمار البريطاني، والذي عاش في مدينة مروي وتزوج منها ودُفن فيها.
وعندما ذهب نصر الدين عباس لاستخراج شهادة الجنسية، رفض الموظف منحه الجنسية السودانية بسبب اسم جده، وطالبه بتغييره إلى اسم عربي مثل أحمد أو حامد. لكن جكسا تمسك باسم جده، ورفض تغييره مهما كانت النتيجة.
وبعد حضور والدته وعمه، استخرجت له الشهادة، لكن الاسم الأخير كُتب فيها «جكسا» بدلاً من «جاكسون»، ليولد بذلك الاسم الذي أصبح لاحقاً واحداً من أشهر الأسماء في تاريخ الرياضة السودانية.
لم يكن «جكسا» مجرد لقب، بل قصة كرامة وتمسك بالهوية، كما كانت مسيرته قصة موهبة صنعت المجد.
البدايات
بدأ جكسا مشواره مع فريق المجاهد قبل أن ينتقل إلى فريق الربيع بالدرجة الثانية.
وفي أول مباراة رسمية له أمام أبو عنجة، شارك بديلاً بسبب تأخر أحد اللاعبين، ولم يحتج سوى إلى لمستين ليحرز هدفين، فيفرض نفسه أساسياً منذ تلك المباراة.
إلى الهلال
عام 1963 بدأ الصراع بين الهلال والمريخ والموردة للفوز بخدمات اللاعب الشاب.
ورغم محاولات المريخ المتكررة لضمه، كان موقف جكسا واضحاً؛ إذ أعلن منذ البداية رغبته في ارتداء شعار الهلال، النادي الذي أحبه منذ الصغر.
وأدى بعض التدريبات مع المريخ تحت ضغط الظروف، لكنه ظل متمسكاً بموقفه، إلى أن حضر إليه الأمير صديق منزول، ثم عبد الخير صالح، ليوقع أخيراً للهلال.
حصل الربيع على 400 جنيه سوداني مقابل انتقال جكسا، وهو مبلغ كبير وقتها، لكنه لا يقارن بما يحصل عليه نجوم اليوم.
وشكل انضمامه، مع كمال عبد الله وعبد الرحمن زيادة وعدد من اللاعبين الشباب، نقطة تحول مهمة في تاريخ الهلال، الذي خرج من فترة صعبة ليبدأ مرحلة جديدة حافلة بالبطولات والإنجازات.
خصائص اللاعب
لم يكن جكسا لاعبًا عاديًا، بل واحدًا من نوابغ الكرة السودانية الذين لا يتكررون كثيرًا. فقد سبقه إلى الهلال عمالقة أمثال زكي صالح، وسليمان فارس، والأمير صديق منزول، الذي ارتدى القميص رقم (10) وجعل منه رمزًا للإبداع. وعندما جاء جكسا، حمل الرقم نفسه، وأعاد إلى الأذهان سحر منزول بفنياته ومهاراته وأهدافه التي لا تُنسى.
امتلك جكسا يسارية استثنائية، حتى عُرفت بـ«اليسارية القاتلة»، وكانت تجمع بين السرعة، والمراوغة، ودقة التمرير، وقوة التسديد، مع رؤية ميدانية جعلته يسبق الجميع بخطوة، فيرى ما لا يراه غيره قبل أن تصله الكرة.
حلاوة جكسا
ارتبطت عبارة «حلاوة جكسا» بهدفه الشهير في شباك المريخ خلال ليلة المولد النبوي عام 1963، حين أنهى سلسلة انتصارات المريخ المتتالية، وأعاد الهلال إلى طريق الانتصارات.
ولأن الاحتفال بالمولد يرتبط بالحلوى، فقد اعتبرت الجماهير ذلك الانتصار «حلاوة» الهلال، لتولد العبارة التي سرعان ما أصبحت جزءًا من الذاكرة الشعبية.
وتكررت العبارة في مباراة أخرى بعدما تحدى أحد مشجعي المريخ جماهير الهلال معلنًا توزيع الحلوى إذا فاز فريقه، لكن الهلال انتصر بثلاثية، فتحولت الحلوى إلى مادة للسخرية والهتافات.
ولم تتوقف شهرة الاسم عند الملاعب، بل أُطلق على نوع من البسكويت المحشو بالشوكولاتة، كما حملت إحدى صيحات الأزياء النسائية في ستينيات القرن الماضي اسم «جكسا في خط ستة».
هدف الدوري
في بداياته مع الهلال، أضاع جكسا ركلة جزاء أمام الأهلي الخرطومي، فسارعت إحدى الصحف المريخية إلى السخرية منه.
لكن الرد جاء سريعًا في مباراة القمة التالية، حين راوغ دفاع المريخ بطريقة مدهشة، وأطلق قذيفة استقرت في المقص الأيمن للحارس هاشم محمد عثمان، مسجلًا هدف الفوز الوحيد الذي منح الهلال بطولة الدوري، رغم أن المريخ كان يلعب بفرصتي الفوز والتعادل.
وفي اليوم التالي، كتبت الصحيفة نفسها عنوانها الشهير:
«جاب الهلال جكسا الحريف… وواجه دفاع ساهل ضعيف… وأنهى الصراع بي قون نضيف».
هدف ميونخ
في دورة الألعاب الأولمبية بمدينة ميونخ عام 1972، وقع المنتخب السوداني في مجموعة ضمت الاتحاد السوفيتي والمكسيك وبورما.
ورغم خسارة السودان أمام الاتحاد السوفيتي (1-2)، فإن جكسا خطف الأضواء بهدف عالمي ظل حاضرًا في ذاكرة البطولة، وأصبح أحد أشهر أهداف الكرة السودانية على المستوى الدولي.
وقدّم جكسا في ميونخ عروضًا فنية راقية، أكد بها أنه لاعب من طراز عالمي، يجمع بين المهارة والذكاء والثقة بالنفس.
أمام بيليه
شهدت بداية سبعينيات القرن الماضي زيارة فريق سانتوس البرازيلي بقيادة الأسطورة بيليه إلى السودان، ضمن جولته الشهيرة في أفريقيا والعالم العربي.
وكان الجميع يتوقع فوزًا كبيرًا للفريق البرازيلي، الذي كان يكتسح منافسيه بالأربعات والخمسات، لكن الهلال بقيادة جكسا قدّم واحدة من أعظم مبارياته التاريخية، وفرض نفسه ندًا حقيقيًا أمام أبطال العالم.
ولم يتمكن سانتوس من الفوز إلا بهدف متأخر، فيما خرج بيليه معجبًا بأداء لاعبي الهلال، واصفًا إياهم بـ**«الغزلان»**، وكان جكسا نجم تلك الليلة بلا منازع.
لقطة مؤلمة
من أشهر الصور التي ارتبطت بجكسا صورة يظهر فيها وكأن الكرة تعانق الشباك خلال مباراة السودان ومصر.
لكن جكسا ظل يؤكد أن تلك اللقطة كانت مؤلمة بالنسبة إليه، لأن الكرة لم تدخل المرمى، وإنما لامست الشباك من الخارج، رغم أنه سجل في تلك المباراة هدفين.
ويقول إن هذه الصورة ظلت تلازمه طوال حياته، حتى أصبحت جزءًا من بطاقته الشخصية.
مع المنتخب
ظل جكسا عنصرًا أساسيًا في المنتخب السوداني منذ انضمامه إلى الهلال وحتى اعتزاله عام 1977، وأسهم في كتابة واحدة من أكثر الصفحات إشراقًا في تاريخ الكرة السودانية.
في كأس الأمم الأفريقية بمدينة كوماسي الغانية عام 1963، سجل هدفين أمام مصر، وهدفين أمام نيجيريا، وقاد السودان إلى المركز الثاني والميدالية الفضية.
وفي الدورة العربية بالقاهرة عام 1964، بلغ المنتخب المباراة النهائية أمام مصر، وانتهت المواجهة بالتعادل، ليتقاسم المنتخبان لقب البطولة.
وجاءت اللحظة التاريخية الأهم عام 1970، عندما تُوج السودان بطلاً لكأس الأمم الأفريقية بالخرطوم بعد الفوز على غانا بهدف نظيف، وكان جكسا أحد أهم ركائز ذلك الجيل الذهبي.
ثم عاد ليؤكد مكانته العالمية في أولمبياد ميونخ 1972، عندما سجل هدفه التاريخي في شباك الاتحاد السوفيتي، وهو الهدف الذي ظل شاهدًا على موهبته الفريدة، ورسخ اسمه بين أعظم لاعبي الكرة السودانية
رفض الاحتراف
رغم أن الاحتراف الخارجي كان حلمًا يراود كبار اللاعبين في تلك الحقبة، فإن جكسا فضّل البقاء في وطنه، وقدم واحدًا من أكثر المواقف وفاءً في تاريخ الكرة السودانية، بعدما رفض عروضًا من أكبر الأندية العالمية.
بوكا جونيورز
كان أول عرض احترافي يتلقاه جكسا من نادي بوكا جونيورز الأرجنتيني عام 1966، أثناء وجود بعثة الهلال في بريطانيا.
ورغم جدية العرض، تمسك سكرتير نادي الهلال، حسن عبد القادر، ببقاء اللاعب، ورفض انتقاله، مطالبًا مسؤولي النادي الأرجنتيني بالحضور إلى الخرطوم إذا كانوا جادين في التعاقد معه.
ويقول جكسا إنه احترم وجهة نظر إدارة ناديه، وعاد مع البعثة إلى السودان دون أن يكتمل انتقاله.
عروض أوروبا
لم يتوقف الاهتمام العالمي بجكسا عند الأرجنتين، فقد تلقى عروضًا أخرى خلال زيارة الهلال إلى رومانيا وبلغاريا، أبرزها من ناديي صوفيا البلغاري وبوخارست الروماني، إلى جانب عروض تضمنت فرصًا للدراسة ومزايا مالية كبيرة.
لكن اللاعب آثر البقاء، ولم يغادر السودان.
وجاء العرض الأهم عام 1969، عندما أبدى نادي بايرن ميونخ الألماني رغبته في ضمه، عبر المدرب الألماني كرامر الذي كان يشرف على دورة تدريبية في السودان.
وافق جكسا مبدئيًا، وأبلغ والدته برغبته في السفر، لكنها رفضت بشدة، وقالت له: “طالما أنك لم تسافر إلى الأرجنتين ورومانيا وبلغاريا، فلن تسافر إلى ألمانيا.”
احترم رغبة والدته، واعتذر عن السفر، وظل ينظر إلى تلك القرارات برضا كامل، قائلاً:
“لم أندم على ذلك، لأنها أقدار كتبها الله، ففي زماننا كانت الهواية أكبر من الاحتراف.”
خارج الملعب
لم يكن جكسا نجمًا داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل كان مثالًا في التواضع والزهد والإخلاص.
فعلى امتداد مسيرته، لم يحصل على مقابل مالي نظير اللعب، سواء مع فريق المجاهد، أو الربيع، أو حتى الهلال، ولم يطالب ناديه يومًا بمكافآت أو امتيازات.
وعندما تعرض للإصابات، كان يسافر على نفقته الخاصة إلى إنجلترا أو مصر أو ألمانيا لتلقي العلاج، متحملًا جميع التكاليف بنفسه.
وبعيدًا عن الملاعب، عمل موظفًا بشركة موبيل أويل، وكان وجوده اليومي بمحطة الشركة في شارع الجمهورية يحول المكان إلى ملتقى دائم لعشاق الرياضة، إذ كان مشجعو الهلال والمريخ وبقية الأندية يقصدونه للسلام عليه، والاستماع إلى آرائه، والاستمتاع بحديثه الهادئ وأخلاقه الرفيعة.
بعد الاعتزال
بعد نحو سبعة عشر عامًا من العطاء، أسدل جكسا الستار على مسيرته لاعبًا عام 1977، لكنه لم يبتعد عن خدمة الرياضة.
فكوّن فريقًا باسم «النجوم» جاب به مختلف أنحاء السودان لإدخال البهجة إلى الجماهير، كما تولى رئاسة لجنة التدريب المركزية، وعمل في الاتحاد السوداني لكرة القدم، وأسهم في الكتابة الرياضية عبر صحيفة «ق سبورت».
ولإيمانه بأهمية صناعة الأجيال، أسس أكاديمية جكسا الرياضية لتدريب الناشئين، واستقطبت نحو 450 لاعبًا، لكنها توقفت بسبب ضعف الإمكانات المالية، رغم اقتناعه بأن المشروع ما زال صالحًا للعودة متى ما توفر له الدعم.
ويرى جكسا أن أعظم تكريم ناله في حياته لم يكن وسامًا أو درعًا، بل إدراج سيرته ضمن مناهج وزارة التربية والتعليم السودانية، ليصبح واحدًا من الشخصيات الرياضية التي يدرسها طلاب المرحلة الثانوية.
وكان يقول بفخر:
“أولادي يقولون لي: درسناك في المدرسة… وهذا أعظم تكريم يمكن أن يناله الإنسان.”
شهادات خالدة
لم يكن إعجاب جماهير الهلال وحدها هو ما صنع أسطورة جكسا، بل إن خصومه قبل محبيه أجمعوا على موهبته الاستثنائية.
ومن أشهر الشهادات ما كتبته صحيفة «الناس» المريخية عقب هدفه الحاسم في مباراة الدوري، إذ قالت:
«جاب الهلال جكسا الحريف… وواجه دفاع ساهل ضعيف… وأنهى الصراع بي قون نضيف.»
وكانت شهادة اكتسبت قيمتها لأنها جاءت من صحيفة تنتمي إلى المنافس التقليدي للهلال، لتؤكد أن الموهبة الحقيقية تفرض احترامها على الجميع.
وخلال المباراة التاريخية أمام سانتوس البرازيلي، لم يُخفِ الأسطورة البرازيلية بيليه إعجابه بأداء الهلال، واصفًا لاعبيه بـ**«الغزلان»**، وكان جكسا أبرز نجوم تلك المواجهة التي ظلت محفورة في ذاكرة الكرة السودانية.
كما وصفه أحد معجبيه بقوله:
«ما أعظمك من لاعب… حرفنة، وأدب، وذوق رفيع، وأخلاق، ووطنية، وإخلاص… بل ما أعظم جيلك كله.»
ولم يكن هذا الإعجاب وليد العاطفة، فقد اختير جكسا ضمن قائمة أفضل ثلاثين لاعبًا في أفريقيا، وأُطلق عليهم لقب «الأساطير»، وهو اللقب الذي ظل الأقرب إلى قلبه.
تكريم مستحق
حظي جكسا بتكريمات عديدة طوال حياته الرياضية وبعد اعتزاله، إذ كرّمته الدولة في أكثر من مناسبة، ونال أوسمة وشهادات تقدير في عهود مختلفة، من الرئيس إبراهيم عبود، والرئيس جعفر نميري، ورئيس الوزراء الصادق المهدي، كما كرّم مرتين في عهد الرئيس عمر البشير.
لكن التكريم الذي ظل يعتز به أكثر من غيره، كان إدراج اسمه ضمن مناهج التعليم السودانية، باعتباره إحدى الشخصيات الرياضية المؤثرة في المجتمع، ليصبح قدوة للأجيال الجديدة داخل الفصول الدراسية، كما كان قدوة داخل الملاعب.
يبقى جكسا… لأن من يلعب بالقلب لا يغيب، ومن يزرع الفرح في ذاكرة وطن لا يموت أبدًا.











