في الصميم
حسن أحمد حسن
هناك فرق كبير بين أن تقتدي بالناجحين، وبين أن تقلدهم دون أن تمتلك إمكانياتهم.
اليوم أصبحت عدوى التقليد أخطر من أي وباء. ابن الموظف البسيط يريد الدراسة في الخارج لأن صديقه سافر، وابنة الأسرة محدودة الدخل تصر على الجامعة بالدولار لأن زميلتها نشرت صورها من أوروبا. لا أحد يسأل: هل ظروفنا تسمح؟ وهل هذا القرار يناسب دخل الأسرة؟ المهم أن تكون “رأسها برأسها”.
كم من أب باع قطعة أرض ورهن منزله واستدان من البنوك حتى يغطي رسومًا بالدولار، فقط لأن ابنه قال: “كل أصحابي سافروا.” وكم من أم حرمت نفسها وأخوتها من أبسط حقوقهم حتى لا تشعر ابنتها بأنها أقل من صديقاتها.
هذه ليست طموحات… بل منافسة عمياء.
ليس الفقر عيبًا، لكن العيب أن تتصرف وكأنك غني، ثم تقضي بقية عمرك تدفع ثمن هذا الوهم. وليس النجاح أن تدرس في الخارج، بل أن تنجح أينما كنت. فكم من خريج جامعة محلية أصبح علمًا في مجاله، وكم من دارس في الخارج عاد بشهادة وقروض وديون تثقل كاهله.
أخطر ما يقتل الأسر هو المقارنة. فكل بيت له ظروفه، وكل أب له قدرته، وكل أم تعرف حجم ما تستطيع تحمله. أما أن يتحول صديق أو صديقة إلى مقياس لمصير أسرة كاملة، فتلك كارثة بكل معنى الكلمة.
أيها الأبناء… لا تجعلوا أحلامكم سكينًا على رقاب آبائكم. ولا تحولوا حبهم لكم إلى ديون لا تنتهي. فمن يحبكم سيضحي، لكن ليس من العدل أن تستنزفوا أعمارهم ليقال إنكم سافرتم مثل فلان أو فلانة.
واعلموا أن الإنسان لا يصنعه عنوان الجامعة فقط، بل يصنعه اجتهاده، وأخلاقه، وإصراره، واستثماره فيما يملك، لا فيما يتمنى.
حاكوا… حاكوا… حتى أصبح بعض الناس يقلدون حياة لا تناسبهم، وينفقون أموالًا ليست عندهم، ويستدينون من أجل مظهر لا يدوم، ثم يكتشفون بعد سنوات أن التقليد الأعمى لا يبني مستقبلًا… بل يهدم حاضر أسرة كاملة.
في الصميم:
ليس كل طريق يصلح لك، ولا كل حلم يناسب ظروفك. عش على قدر إمكانياتك، واسعَ إلى النجاح بعقلك، لا بعينك التي تراقب الآخرين. فمن جعل رأسه برأس الناس… قد يخسر رأسه كله.











