في الصميم
حسن أحمد حسن
أبٌ على سرير المرض… وزوجةٌ وأبناءٌ غابوا عنه
أبٌ مريض، قرروا له أن يسافر إلى الخارج للعلاج، فغادر وحيدًا. وأبٌ مريض يرقد على سرير المستشفى، فلا تظهر زوجته وبعض أبنائه إلا يوم وفاته، ليقفوا أمام أعين الناس. كم من الحكايات والقصص التي تشيب لها الرؤوس، ويذوب لها الجليد، بسبب قهر الأبناء للآباء.
فالأب الذي كان بالأمس قويًا، يسعى من أجلهم، ويستيقظ قبل الجميع، ويتعب حتى لا يحتاجوا إلى أحد، حمل هموم البيت على كتفيه، وضحّى براحته وصحته ليؤمن لهم حياة كريمة.
ثم جاء يوم المرض…
دخل سرير المستشفى، فإذا بالهاتف صامت، والباب لا يُطرق، والوجوه التي كان ينتظرها لا تأتي. انشغلت زوجته، وانصرف أبناؤه، وكأن المرض كشف حقيقة العلاقات التي كانت تبدو متماسكة.
وليس أشد على الإنسان من ألم المرض، إلا أن يشعر بأنه أصبح وحيدًا في لحظة كان فيها أحوج ما يكون إلى كلمة طيبة، أو زيارة، أو يدٍ تمسك بيده وتقول: “نحن معك.”
والمؤلم أن بعض الأبناء ينسون أن هذا الأب هو من حملهم صغارًا، وسهر على حُمّاهم، وفرح بنجاحهم، وبكى لفشلهم، وحرم نفسه ليمنحهم ما يتمنون. فإذا ضعف جسده، ردوا الجميل بالجفاء والإهمال.
أما الزوجة، فإن الوفاء الحقيقي لا يظهر في أيام الصحة والرخاء، بل في أيام الضعف والمرض. فالزوج الذي أفنى عمره في خدمة أسرته يستحق أن يجد إلى جواره زوجةً تواسيه، وتخفف عنه، وتمنحه شعورًا بالأمان، لا أن تتركه يصارع الألم وحيدًا.
المرض امتحان للأخلاق قبل أن يكون امتحانًا للجسد، والزيارة ليست مجاملة، بل رسالة حب ووفاء، والاهتمام بالمريض ليس فضلًا، بل واجب إنساني وديني.
وربما لا يدرك الأبناء اليوم أن الأيام دول، وأن من يزرع الإهمال قد يحصد مثله حين يكبر ويحتاج إلى من يقف إلى جانبه.
رسالة إلى كل زوجة، وإلى كل ابن وابنة:
إذا كان والدكم أو زوجكم على سرير المرض، فلا تبخلوا عليه بوقتكم، ولا بكلمة حانية، ولا بزيارة، ولا بدعوة صادقة. فقد يأتي يوم تتمنون فيه دقيقةً واحدة معه، فلا تجدونها.
فالوفاء لا يُقاس بما نقدمه للأقوياء، بل بما نقدمه لمن أنهكه المرض وأضعفه الألم.
فلا تكونوا كحصان الإسطبل؛ فعندما ينهكه المرض يُقتل برصاصة بدمٍ بارد، حتى لا يكلف الدولة علفًا أو مصاريف علاج.
عساها أن تكون قد وصلت.












