كمال إدريس
لم تكن السرقة التي تعرضت لها المتاحف السودانية مجرد نهب لقطع حجرية أو تماثيل قديمة، بل كانت محاولة منظمة لاقتلاع ذاكرة أمة كاملة من جذورها. فحين يُنهب أكثر من 3500 مقتنى أثري من متحف القصر الجمهوري وحده، وتتعرض 20 متحفاً سودانياً للتخريب والنهب، فإن القضية تتجاوز حدود الحرب إلى جريمة ضد التاريخ نفسه.
السودان ليس بلداً عادياً في خارطة الحضارات. هذه الأرض احتضنت حضارات كرمة ونبتة ومروي، واحتفظت بآثار تمتد إلى عصور ما قبل التاريخ. داخل المتحف القومي السوداني وحده كانت توجد ٱلاف القطع الأثرية، بينها مومياوات نادرة، وتماثيل، ونقوش، وفخار يوثق آلاف السنين من الوجود الإنساني على ضفاف النيل. واليوم، كثير من هذه الكنوز اختفى، وبعضها ظهر معروضاً للبيع على منصات إلكترونية عالمية، وكأن تاريخ السودان تحول إلى “سلعة” في مزادات الإنترنت.
الأرقام صادمة. خسائر قطاع الثقافة والآثار والسياحة قُدرت مبدئياً بنحو 110 ملايين دولار. اليونسكو اضطرت لتدريب 500 كادر من الجمارك والأمن والقطاع الثقافي لمكافحة تهريب الآثار السودانية، بعد أن أصبحت الحدود معابر مفتوحة لتجارة التاريخ المنهوب. والأسوأ أن بعض المخازن الرئيسية للآثار تعرضت للنهب الكامل، بما فيها المستودعات التي كانت تحفظ كنوزاً لا تُقدّر بثمن.
لكن السؤال الأهم، هل يمكن تعويض ما فُقد؟
الحقيقة أن الآثار ليست مجرد حجارة قديمة، بل هي شهادة ميلاد الوطن. الأمم التي تفقد ذاكرتها تصبح أكثر هشاشة أمام التزييف والنسيان. لذلك، فإن استعادة الآثار السودانية يجب أن تتحول إلى قضية سيادية لا تقل أهمية عن حماية الحدود نفسها. كل قطعة يجب ملاحقتها قانونياً ودبلوماسياً، مهما بلغت التكلفة، لأن الثمن الحقيقي ليس المال، بل ضياع تاريخ صنعته أجيال كاملة من السودانيين.
وبمناسبة اليوم العالمي للمتاحف والاثار ١٨ مايو من كل عام نشير إلى أن المعركة اليوم ليست فقط لإعادة بناء المتاحف، بل لإعادة بناء الوعي بأن الحضارة السودانية ليست إرث الماضي وحده، بل ضمان المستقبل أيضاً.









