وجوه وحكايات
م. محمد الجيلي الشيخ
في زمنٍ صار فيه الهاتف أقوى من السلاح، والكلمة أسرع من الرصاصة، والصورة أشدّ وقعًا من الضربة…
ظهر لنا وباءٌ جديد، لا يُرى بالعين، ولا يُقاس بالحرارة، ولا يُشخّص في المستشفيات.
وباءٌ يفتك بالسمعة كما تفتك النار بالهشيم، ويهدم البيوت كما تهدم السيول الجدران، ويُسقط الإنسان كما تُسقط الريح أوراق الشجر.
إنه وباء التشهير… ذلك الداء الذي يقتل بلا دم، ويجرح بلا سكين، ويترك أثرًا لا يندمل مهما مرّ الزمن.
✦ حين يتحوّل الهاتف إلى محكمة
ما الذي أصاب الناس؟
كيف تحوّلت المنصّات إلى محاكم؟
كيف صار الهاتف قاضيًا، والقروب ساحة تنفيذ، والمتابعون شهودًا لا يعرفون من الحقيقة إلا ما يُلقى أمامهم بلا دليل ولا برهان؟
إنّ بعض الناس اليوم إذا غضب، أو ظنّ أنه مظلوم، أو أراد أن ينتقم…
لا يذهب إلى النيابة، ولا يجمع بينة، ولا يطرق باب القانون…
بل يفتح هاتفه، يلتقط صورة إنسان، يكتب اسمه، ويرميه في قروبٍ مكتظّ بالناس، كأنما سلّمه إلى ساحةٍ لا تعرف الرحمة.
يا من يشهّر…
اعلم أن الحق لا يعود بالفضيحة، وأن العدل لا يُقام بالصراخ، وأن الكرامة لا تُستردّ حين تُهدر كرامة غيرك.
إن كنت صاحب حق، فالقانون لا يغلق بابه، والعدالة لا تنام، والنيابة لا تخشى أحدًا.
أما أن تجعل من الناس قضاةً، ومن القروبات محاكم، ومن السوشل ميديا ساحةً للفضيحة… فهذه جريمة لا تُعيد حقًا، بل تُشعل فتنة، وتفتح بابًا للباطل أن يتزيّا بزيّ الحق.
✦ ماذا يفعل لك القروب؟
الغريب…
أن بعضهم ينشر صورة شخص ويكتب: “احتال عليّ”.
يا أخي…
ما الذي سيصنعه لك أعضاء القروب؟
هل سيعيدون لك مالك؟
هل سيحكمون لك بالحق؟
هل سيُقيمون عليك بينة؟
هل يملكون سلطةً أو قانونًا أو قدرةً على ردّ الحقوق؟
إنما هي فوضى…
فوضى لا تزيدك إلا وجعًا، ولا تزيد المجتمع إلا شرخًا، ولا تزيد البيوت إلا خوفًا.
فوضى تُشعل نارًا لا تعرف حدودًا، وتفتح بابًا لا يُغلق، وتُطلق سهمًا لا يعود.
✦ حين تُصبح الأسرة ضحية
إنّ الإنسان الذي تُشهّرون به ليس وحده في هذا العالم…
له أسرة، له أطفال، له زوجة، له أمٌّ تبكي، وله أبٌ ينكسر قلبه.
له بيوتٌ تُهدم، وقلوبٌ تُجرح، وأيامٌ تُظلم بسبب صورةٍ نُشرت بلا دليل.
ما ذنب زوجته التي تُطعن في سمعتها؟
ما ذنب أطفاله الذين يُنظر إليهم نظرة شك؟
ما ذنب أسرته التي تُحاصرها الهموم بسبب منشورٍ كتبه غاضبٌ لا يعرف عواقب فعله؟
وإن كنت أنت من مساعدي هذا التشهير…
ضع نفسك مكانه.
تخيّل أن صورتك تُنشر، وأن اسمك يُرمى، وأن سمعتك تُشوّه، وأن أطفالك يبكون، وأن زوجتك تُهان، وأن أهلك ينهارون…
هل ترضى ذلك؟
هل تقبل أن تُصبح أسرتك ضحية غضب الآخرين؟
يا من يسعى في فضيحة الناس…
تذكّر قول الله تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾
أي لا تتّبع ما لا دليل لك عليه، ولا تنشر ما لا يقين فيه، ولا تخوض في أعراض الناس بلا برهان.
وتذكّر قول النبي ﷺ:
“من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة.”
فمن ستر الناس ستره الله، ومن فضحهم فضحه الله، ومن أعان على التشهير حمل وزره.
✦ المجتمع حين يشارك في الجريمة
إنّ التشهير ليس شجاعة، وليس حقًا، وليس طريقًا للعدالة…
إنه سقوطٌ أخلاقيّ، وجرحٌ في جسد المجتمع، واعتداءٌ على كرامة الإنسان التي كرّمها الله.
فلا تكونوا شهود زور، ولا أعوان فتنة، ولا أدوات تشهير.
لا تضغطوا زرّ إعادة الإرسال، لا تساهموا في نشر الظلم، لا تجعلوا من هواتفكم سهامًا تُصيب الأبرياء.
فمن أعان على الظلم حمل وزره، ومن شارك في التشهير فتح بابًا سيعود عليه يومًا، ومن صمت عن الفتنة كان شريكًا فيها.
✦الخلاصة …..
إن الحياة قصيرة، والأيام تمضي، والعمر يجري، واللحظات تُسرق من بين أيدينا…
فلا تضيع يومك في تتبع أخطاء الآخرين، ولا تجعل قلبك مسرحًا للغضب، ولا وقتك وقودًا للفتن.
اشتغل بنفسك… بدينك… بعملك… بأسرتك… فهذه هي الساحات التي تُربّي الرجال وتصنع الأوطان.
إن المجتمع لا يُبنى بالتشهير، بل بالعدل.
ولا يقوى بالفضائح، بل بالقانون.
ولا ينهض بالغضب، بل بالحكمة.
ولا يزدهر بالانتقام، بل بالإصلاح.











