على حافة الضوء
د. عمار برهان
ثمة أغانٍ تنتهي حين يسكت المغني، وأغانٍ تظل حيةً في ضمير الناس، تتحول كلماتها مع الزمن إلى حكمة، ومواقفها إلى قيم، وصورها إلى جزء من الذاكرة، والأغنية السودانية في كثير من عصورها تنتمي إلى هذا اللون الباقي فقد أسهم شعرها في تشكيل الذائقة العامة، وتهذيب العاطفة، وتعليم الناس طرائق الحب والوفاء والانتماء والصبر والكرامة.
منذ عصر الحقيبة دخل الشعر الغنائي البيوت والمجالس حاملاً لغةً رفيعة للعاطفة، كانت الكلمة المنتقاة جزءاً من أخلاق الغناء، وكان وصف المحبوب محاطاً بالجمال والحياء والتوقير، وتقدم لنا تلك المرحلة نماذج باقية مثل (بدور القلعة وجوهرا) لعمر البنا، و(في الضواحي وطرف المدائن) لأبي صلاح، و(عزة في هواك) و(ما هو عارف قدمه المفارق) لخليل فرح، وفي هذه النصوص نرى الحب ممتزجاً بالوفاء والحنين، ونرى الوطن يتسلل إلى القصيدة حتى يصبح محبوباً آخر يسكن القلب، وفنياً اعتمدت أغنية الحقيبة على فخامة المفردة، والإيقاع اللفظي، فكانت الموسيقى تخدم المعنى، وكانت القافية تحفظ العبارة في الذاكرة وتمنحها قوة التداول.
ومع تطور الأغنية في مرحلة الرواد اتسعت مساحة الشعر لتحتضن قضايا الحرية والكرامة والانتماء. حملت (صه يا كنار) لمحمود أبو بكر خطاباً في الشجاعة والتضحية، وأصبحت (أنا أم درمان) لأحمد محمد صالح صورةً للاعتزاز بالمكان والتاريخ، وحملت أعمال جيل الكاشف وحسن عطية وأحمد المصطفى وغيرهم ذلك التحول الذي جعل الإذاعة السودانية مدرسة يومية للذوق واللغة والسلوك، ويمكن أن نضيف إلى مشهد تلك المرحلة (اللقاء الأول) و(يا جميل يا مدلل) بوصفهما من العلامات التي رسخت رهافة التعبير وسمو الخطاب العاطفي، وأسهم تطور التلحين وتنوع المقامات ودخول الآلات الحديثة في توسيع طاقة النص، فأصبح اللحن يترجم الانفعال ويكشف طبقات الكلمات.
ثم جاءت فترة الستينيات والسبعينيات وما بعدها فبلغت العلاقة بين القصيدة والأغنية واحدة من أخصب مراحلها، غنّى محمد وردي (أصبح الصبح) لمحمد مفتاح الفيتوري، فصار الفجر فيها رمزاً للحرية والأمل، وقدم محمد الأمين (الملحمة) لهاشم صديق، فتحولت الأغنية إلى سجل شعبي للروح الوطنية، وغنى وردي (الطير المهاجر) لصلاح أحمد إبراهيم، كما غنى (قلت أرحل) للتجاني سعيد، فتعلمت أجيال كاملة من هذه الأعمال أن العاطفة يمكن أن تكون عميقة ورقيقة، وأن اللغة الجميلة تستطيع الوصول إلى الناس من غير تعقيد، وتميزت هذه المرحلة ببناء درامي تتدرج فيه القصيدة نحو الذروة، ويواكبها اللحن بتصاعد محسوب، فتغدو الأغنية تجربة سردية متكاملة.
وفي مرحلة لاحقة، أخذ الشعر الغنائي يقترب أكثر من تفاصيل الإنسان اليومية وهمومه الاجتماعية، جاءت تجربة مصطفى سيد أحمد لتمنح القصيدة مساحة جديدة ففي (عم عبد الرحيم) لمحمد الحسن سالم حميد حضرت حياة الإنسان البسيط وكرامته وكدحه، وفي (الحزن النبيل) حضرت التجربة الإنسانية بعمقها وشفافيتها، وواصلت تجارب مثل عقد الجلاد مشروع الأغنية الجماعية التي تحتفي بالوطن والإنسان، فيما حملت أجيال أحدث هذه الذاكرة إلى فضاءات موسيقية جديدة ومنصات يصل صداها إلى السودانيين، وبرزت اللغة اليومية والصورة المركبة والتوزيع الجماعي أدواتٍ فنية تقرّب القصيدة من الناس.
وسر قوة هذه المسيرة يكمن في أثرها العميق الهادئ، فقد تعلم السوداني من أغنيته أن للحب أدباً، وللفراق كرامة، وللوطن حقاً، وللمرأة مقاماً، وللصداقة وفاءً، وللحزن لغة تحفظ للإنسان توازنه. وكانت الأسرة تسمع والطفل يحفظ والشاب يردد، فتنتقل القيم عبر اللحن من جيل إلى جيل، ولم يكن هذا التأثير تعليمياً مباشراً وإنما تحقق بالتكرار الجميل والقدوة العاطفية وارتباط العبارة بالموقف، فغدت الأغنية تربيةً وجدانية غير رسمية.
واليوم وسط سرعة المنصات الرقمية وتغير الأذواق، تصبح مسؤولية الكلمة أكبر فالأغنية تدخل إلى ملايين البيوت والهواتف في لحظات، وما تحمله من لغة وصور وقيم يترك أثره في الوجدان والسلوك، لذلك يقاس نجاحها بمدى الوصول وبقدرتها على إثراء اللغة واحترام الإنسان، وصناعة معنى يبقى بعد موجة الانتشار، لقد ترك الشعر الغنائي السوداني ثروة تتجاوز الألحان والتسجيلات، مؤسسة أخلاقية وجمالية لمجتمع كامل، وحين نستعيد أغنياتنا العظيمة فإننا نستعيد معها شيئاً من ذلك السوداني الذي أحب برقة واختلف بأدب، وحزن بكرامة وغنّى للوطن بمحبة، فالأمم تحفظ أخلاقها في كتبها ويحفظ السودانيون جانباً جميلاً منها في أغنياتهم.













