مهاد الحروف
مهاد عوض
هناك أبواب في الزمن لا ينبغي أن نغلقها، لأنها لا تقودنا إلى الماضي فقط، بل تفتح لنا الطريق نحو المستقبل.
ولهذا أسمي هذا المقال استثنائيًا؛ لأنني أطرق فيه بابًا جميلًا من أبواب الزمن السوداني، باب الدراما التي صنعت دهشتنا بإمكانات محدودة، وشاشات قليلة، وفضائيات لم تكن تعرف طريقها إلى كل بيت.
وأنا اليوم، وأنا أغوص في صفحات «يوتيوب»، أكتشف أعمالًا لم أعش زمن عرضها، وأقف مدهوشة أمام أسماء كبيرة صنعت تاريخًا لا يجوز أن يضيع من ذاكرة الأجيال.
أتأمل الفاضل سعيد و«بت قضيم»، وفائزة عمسيب، ومكي سنادة، ومحمد السني دفع الله، وخالد العجب، وإبراهيم خان، وسعيد مكي، وفتحية محمد أحمد، ومحمد قرني، وبلقيس عوض، وهالة آغا، والهادي الصديق، وغيرهم من عمالقة التمثيل والمسرح والدراما.
ثم أتساءل: كيف استطاع هؤلاء أن يصنعوا كل ذلك الجمال دون الإمكانات التي أصبحت متاحة اليوم؟
كيف خرجت إلينا أعمال مثل «دكين»، و«الدهباية»، و«سكة الخطر»، و«أقمار الضواحي»، و«اللواء الأبيض»، و«الشاهد والضحية»، و«وادي أم سدر»، و«السيف والنار»، و«آخر قطار»، وبقي بعضها حاضرًا في ذاكرة الناس حتى اليوم؟
ولم تكن المسألة ممثلين فقط، بل كان خلف الشاشة مخرجون وكتاب وفرق مسرحية امتلكوا مشروعًا حقيقيًا. أسماء مثل فاروق سليمان، وصلاح السيد، ومكي سنادة، وقاسم أبو زيد، وجعفر سعيد الريح، ومصطفى أحمد خليفة، ومجدي النور، وغيرهم، أسهموا في تشكيل مرحلة مهمة من تاريخ الدراما السودانية. كما لعبت فرق مسرحية، من بينها «الأصدقاء» و«نمارق»، أدوارًا بارزة في دفع مسيرة الإنتاج الدرامي.
ويكفي أن نتوقف عند «دكين»، ذلك العمل الذي أصبح علامة في الدراما السودانية، وشارك في صناعته عدد من أبناء المسرح والدراما، وصُوّر في بيئات سودانية حقيقية، حتى أصبح نموذجًا لقدرة الدراما على تحويل تفاصيل الحياة السودانية إلى قصة تصل إلى المشاهد.
وفي «الدهباية» نجد أسماء مثل هالة آغا وطارق علي وصالح عبد القادر وبلقيس عوض، في عمل أخرجه فاروق سليمان، بينما ارتبطت فتحية محمد أحمد بأعمال عديدة تركت أثرًا في المسرح والتلفزيون، من بينها «الدهباية» و«الحيطة المايلة» و«المك نمر».
لكن السؤال الذي يؤرقني اليوم ليس: لماذا كانت الدراما السودانية جميلة؟ بل: أين ذهبت؟
أين المسرح؟ أين الكوميديا التي تشبهنا؟ أين الدراما التي تتحدث بلهجاتنا المختلفة، وتدخل أحياءنا وقرانا وأسواقنا وبيوتنا، وتحكي عن الإنسان السوداني كما هو؟
نحن جيل التسعينات والألفينات بحاجة إلى إعادة اكتشاف هذا الإرث، لا باعتباره مجرد ذكريات قديمة، وإنما مدرسة يمكن أن نتعلم منها.
السودان بلد متعدد الثقافات والقبائل والألوان واللهجات والعادات والتقاليد، وهذه ليست مشكلة أمام الدراما، بل كنز درامي هائل. فلماذا لا نصنع اليوم أفلامًا ومسلسلات ومسرحيات تستلهم هذا التنوع؟ ولماذا لا نوثق أعمال الرواد ونضعها أمام الأجيال الجديدة؟
ربما لم تكن لديهم كاميرات حديثة ولا ميزانيات ضخمة، لكنهم امتلكوا شيئًا أهم: الفكرة والموهبة والصدق والقدرة على تحويل الحياة السودانية إلى حكاية.
وهنا تبدأ مسؤوليتنا: أن نشاهد، ونوثق، ونسأل، ونكتب، ونحفظ أسماء الذين صنعوا ذلك المجد، ثم نأخذ من تجربتهم ما يناسب عصرنا.
فالزمن الجميل لا ينبغي أن يبقى خلفنا، وربما علينا أن نعيده بروح جديدة.
فالسودان الذي أنجب أولئك العمالقة ما زال قادرًا على إنجاب عمالقة جدد.
فقط… علينا أن نفتح الباب من جديد.













