مواقف وسوالف
خالد الضبياني
يبدو أننا دخلنا مرحلة جديدة في تاريخ الفن والسوداني مرحلة لم يعد فيها الفنان مطالباً بأن يغني جيداً أو يمثل بإتقان أو يقدم عملاً يستحق أن يعيش في ذاكرة الناس. المهم أولاً أن يجد لنفسه لقباً محترماً فهذا هو السلطان وتلك هي السلطانة وهذا الملك وتلك الملكة وبين هؤلاء وأولئك يظهر فجأة الدكتور الفنان وبعد قليل ربما نشهد المشير الفنان الفريق أول المطرب سعادة المستشار الراقص معالي البروفيسور العازف. والمشكلة ليست في الألقاب الجميلة فبعضها جاء من الجمهور بصورة طبيعية والتصق بفنان بسبب موهبته وتأثيره. المشكلة في أن يتحول اللقب إلى بديل عن الموهبة وإلى وسيلة لتضخيم الفنان قبل أن ينجح في إقناع الناس بأنه يستحق كل هذا التضخيم. تخيل أن فناناً لم يصدر سوى أغنيتين ومع ذلك أصبح (السلطان) طيب يا سلطان على شنو؟سلطان على الأغنيتين؟أم سلطان على المايكروفون؟أم أن المملكة الفنية الجديدة تمتد من الاستديو إلى صالة الحفل وتنتهي عند باب المسرح؟.والأطرف أن بعض الفنانين والفنانات أصبحوا يتعاملون مع الألقاب وكأنها رتب عسكرية إذا حصل واحد على (ملك) يبحث الآخر عن (سلطان ( وإذا ظهرت ملكة) فلا بد أن تظهر (سلطانة) حتى لا يحدث خلل في ميزان العروش الفنية.وقد يأتي يوم نسمع فيه مذيع الحفل يقول:
(والآن نرحب بصاحب الجلالة الفنية سلطان الطرب ملك الإحساس إمبراطور النغم المشير الركن الفنان…) ثم يدخل الرجل ويغني أغنية واحدة نصف الجمهور لا يعرف كلماتها. أما حكاية (الدكتور) فحدث ولا حرج. نحن نحترم العلم ونحترم حملة الدرجات العلمية والدكتوراه ليست عيباً ولا تهمة. لكن أن يتحول لقب (دكتور) إلى جزء من الدعاية الفنية لمغني فهنا يجب أن نسأل دكتور في ماذا؟ في الطب؟ أهلاً وسهلاً. في الهندسة؟ مرحباً.في الاقتصاد أو القانون أو الآداب؟ على الرأس.أما إذا كان المقصود مجرد لقب اجتماعي يُستخدم لتلميع الاسم فالأفضل أن نترك للعلم هيبته وللفن هيبته أيضاً.الفنان لا يحتاج إلى شهادة دكتوراه حتى يكون عظيماً كما أن الدكتور لا يصبح فناناً لمجرد أنه أمسك بالميكروفون. لقد أصبحنا أحياناً نعيش عصر صناعة الألقاب قبل صناعة النجوم.نضع التاج قبل أن نعرف إن كان الرأس يستحقه.نكتب (الملك) قبل أن نسمع الأغنية. نكتب السلطانة) قبل أن نرى التجربة.ونضع (الدكتور) أمام الاسم قبل أن نسأل: أين الدكتوراه؟ والأغرب أن الجمهور نفسه بدأ يتعامل مع هذه الألقاب وكأنها حقائق منزلة. الفن ليس مملكة وراثية ولا كل من صعد المسرح صار ملكاً ولا كل من حمل الميكروفون أصبح سلطاناً.السلطان الحقيقي هو الفنان الذي يستطيع أن يغيب سنوات ثم تعود أغنيته فتملأ المكان.
والملك الحقيقي هو الذي لا يحتاج إلى أن يكتب (ملك) أمام اسمه لأن الناس كتبوا اللقب في قلوبهم.أما الألقاب المصنوعة في مكاتب الدعاية فتظل مجرد حبر على بوستر مهما كبر الخط وتضخم التاج. اتركوا التيجان جانباً قليلاً وغنوا لنا. فربما بعد أن نسمعكم نحن الجمهور، نقرر من يستحق أن يكون سلطاناً ومن يستحق أن يعود إلى صف الفنانين العاديين فالملك في الفن لا يُعيَّن بقرار، والسلطان لا يُطبع على بوستر والدكتور لا تُمنح شهادته من المايكروفون. الموهبة أولاً… ثم يأتي اللقب إن جاء.













