تباشير
د.وليد محجوب
اصبحت اتحسس حَرجي كلما سألني سائل عن حالي في مطايبة أو سلام عادي، وأجيبه بعبارة حمدٍ لله عجيبة، تعلمتها من ابن خالتي هاشم حسون. فكلما سألته “أصبحت كيف؟” يقول لي: “راضين من الكريم، ونتقلَّب في نِعمُه علينا، الله يقدرنا علي حمده”.
لكن تحت ظل سُحب شكوى من الحال كثيفة تظلل كل حديث بين اثنين، أصبحت عبارات الحمد وشايه بأن الحال يسمح بالسؤال، وأن الظن باعتدال مسيرك دون غيرك يرتدي ثوب اليقين باكتنازك للمال، فتنهال عليك عوارض السؤال لتُمطرك بطلباتٍ تصيب بالحيرة ولا يملك لها أحدٌ إجابة.
فالتعبير “التقلُّب في نعم الله” يستدعي بالضرورة مشاركة هذه النِعم مع الآخرين، إن كان طالبها قريب من جملة الأهل، أو حتى من العابرين في الحياة دون ترك أثر يُذكر. وأن إيثار النفس دون من حولها بهذه النعم والتمتع بها منفردة، والسائلين عن الحال يتقلبون على جمر المساغب، جريمة إجتماعية تستوجب العزل. فأمثال هؤلاء لا يستحقون طيب عيش الجماعة لأنهم لا يعرفون مشاركة الناس همومهم، ولا يتقاسمون معهم ما جاد الله به عليهم، ليكفوهم مشقة مكابدة عنت الدنيا ولو بدريهمات تقيم الأود.
المشكلة عند هؤلاء تكمن في أن الحمد أصبح مرادف للدعة ورغد العيش وسعة الرزق. وأن نِعَم الله تنحصر في المال، فقط المال ولا شيء غيره. فلا يحمد الله إلا من انتفخ حسابه البنكي وفاض، عندها تتشكل في أذهانهم صورة لحامد الله والمتقلب في نعمه مثل صورة عم دهب، ذلك البخيل في مجلة ميكي، وهو يتقلب فوق ذهبه المكدس في خزينة لا يدخلها إلا هو، ثم يدَّعي أمام الناس رِقَّة الحال حتى لا يسأله أحد.
كم من حامد لله لا يملك قوت يومه، وكم من مغترب لا يملك قيمة تذاكر السفر لزيارة أهله بعد أن أرهقته التحاويل الشهرية ويشكر الله، وكم من تاجر ماله متفرق بين المماطلين، والظن به البخل، وهو يُثني على الله بكرةً وعشيا.
السؤال الذي يفرض نفسه بقوةٍ هنا: ما الذي جعل التفكير المادي يطغى على حياتنا ويُنسينا أن نِعَم الله صحة تقينا رهق مراجعة الأطباء وتناول الأدوية المستديمة. وأن نِعم الله راحة بال من هموم نغفل عنها فنتجاوز مآلات طاقاتها السلبية علينا. وأن نِعَم الله أبناء نجباء وبنات عفيفات، وزوجة تصون زوجها في عِرضه وماله. وأن نِعَم الله أمنٌ وأمان وجروح الحروب تُدمي القلوب تشرداً وجوع وفقد أرواح. وأن نِعَم الله أصحاب مثل الصَيِّب الهنيء أينما وقع نفع. فلماذا نختزل الحمد على النعم في المال الوفير ققط؟
خلاصة القول أنَّ الحمد لله ليس وقفاً انتفاخ الجيب، ولا دليلاً على غنىً أو فقر، بل هو شكر العبد لربه على ما أعطاه وما منعه، على الصحة والأمن والعافية، على السكينة في القلب والطمأنينة في الروح، على الوجوه التي تُشرق حولنا، والأيادي التي تمتد بالعطاء دون مَنْ. نِعمُ الله أوسع من أنْ تُحصى، وأعظم من أنْ تُقدر بثمن، وأجدر بنا أنْ نُعلنَها فرحاً بعطاياه. وخير الحمد ما جرى على لسانِ راضٍ بقضاء الله، مُتقلِّبٍ في نعمِه، ولو لم يملكْ سوى حمده على نِعمَة أن يكون من زمرة الحامدين.













