على حافة الضوء
د. عمار برهان
تنهض المجتمعات حين تجد المعرفة طريقها إلى الناس في صورة حية متجددة وقادرة على ملامسة أسئلتهم اليومية، من هنا تكتسب المنتديات الثقافية قيمتها الكبرى فهي فضاءات يلتقي فيها الفكر الإنساني بالتجربة، ويتجاور فيها العلم مع الأدب والثقافة، وتتحول المعرفة من مادة جامدة إلى حوار مفتوح يشارك في صنعه المتحدث والمستمع معاً، وفي المجتمع السوداني الذي يمتلك رصيداً واسعاً من التنوع الثقافي واللغوي والفني، تؤدي هذه المنتديات دوراً بالغ الأهمية في حفظ المعرفة وتعميق الوعي، وتوسيع المدارك وبناء جسور التواصل بين الأجيال والتيارات والمدارس الفكرية المختلفة، ويمتد أثر المنتدى الثقافي الناجح من تقديم المعلومات إلى صناعة بيئة ذهنية تشجع على السؤال، وتحفز على القراءة وتدرب الحاضرين على الإصغاء واحترام الرأي الآخر، وهو بهذا المعنى مؤسسة مجتمعية مرنة تسهم في ترقية الذوق العام وتمنح الناس فرصة لفهم قضاياهم من زوايا متعددة.، وعندما يلتقي الأكاديمي بالشاعر والباحث بالفنان والطبيب بالموسيقي تتكون صورة أكثر اتساعاً للحياة ويصبح النقاش وسيلة لاكتشاف العلاقات الخفية بين المعرفة الإنسانية وتجارب الناس ومشكلاتهم وآمالهم.
ويقدم منتدى (الرواويس) السوداني نموذجاً لافتاً لهذا الدور إذ يضم نخبة من كبار المثقفين والعلماء والباحثين وأصحاب التجارب الثرية، وتنبع قوته من طبيعة الموضوعات التي يطرحها في جلساته، حيث تتناول القضايا من أوجه علمية وحياتية فيجمع النقاش بين التحليل المتخصص والخبرة الواقعية، هذه الصيغة تمنح المعرفة عمقاً ووضوحاً في آن واحد، وتجعلها قريبة من الجمهور مع المحافظة على جديتها، فالموضوع يُعرض في سياقه الفكري ثم تُضاء جوانبه الاجتماعية والإنسانية، ويتسع المجال للمداخلات والأسئلة فتتحول الجلسة إلى ورشة لصناعة الوعي الحقيقي، ويمتاز المنتدى كذلك بحسن بناء برنامجه الثقافي فخلال الحوار المعرفي تأتي القصيدة الشعرية بما تحمله من كثافة وجدانية وصور قادرة على النفاذ إلى الوجدان، ثم يحضر العزف الموسيقي والغناء الهادف ليضيفا بعداً جمالياً يوازن بين العقل والحس والوجدان، هذا التنوع يمنح الجلسة إيقاعاً متجدداً بالفعل ويحافظ على انتباه الحاضرين ويجعل الرسالة أكثر رسوخاً، فالفكرة التي يشرحها الباحث قد يعيد الشاعر صياغتها في صورة أخرى، وقد تمنحها الموسيقى أثراً شعورياً يبقى في الذاكرة والروح طويلاً.
وتكمن أهمية هذا النموذج في تقديم المحتوى المعرفي والثقافي ضمن قالب مقبول وممتع، يحترم عقل المتلقي ووقته وذائقته، فالجمهور المعاصر يعيش وسط تدفق هائل للمعلومات ويحتاج إلى محتوى منتقى ومنظم، ومقدم بوعي، ومنتدى الرواويس يستجيب لهذه الحاجة عبر الجمع بين الرصانة والمتعة، وبين الجدية والجمال، وبين الفكرة والصوت والصورة والإيقاع، وبهذا يصبح المنتدى مساحة للتعلم والتأمل والتواصل الاجتماعي الراقي، ومناسبة تتجدد فيها الصلات بين أصحاب المعرفة والجمهور، ويشعر فيها كل مشارك بأنه شريك في إنتاج المعنى والمحتوى.
كما تسهم المنتديات الثقافية في تعزيز الهوية السودانية الجامعة، لأنها تتيح للناس اكتشاف ثراء مجتمعهم وتعدد روافده، ومن خلال النقاشات والقصائد والأغنيات يمكن استحضار التاريخ، ومراجعة الحاضر واستشراف المستقبل بروح مسؤولة، وهي كذلك تمنح الشباب فرصة للالتقاء بالقامات العلمية والثقافية، والاستفادة من خبراتهم، واكتساب الثقة في التعبير والمشاركة كما تشجع الباحثين والمبدعين على تقديم إنتاجهم أمام جمهور متفاعل، فتدعم حركة التأليف والنقد والإبداع، وتزداد قيمة هذه المنتديات في أزمنة التحول والاضطراب، حين يحتاج المجتمع إلى منابر تحفظ اتزانه وتعيد ترتيب أسئلته الكبرى، فالحوار المنظم يحد من الأحكام المتعجلة ويقرب المسافات بين المختلفين، ويغرس عادة التفكير الهادئ كما أن توثيق الجلسات ونشر خلاصاتها يكوّنان أرشيفاً معرفياً سودانياً يمكن أن تستفيد منه الجامعات والمدارس والباحثون ووسائل الإعلام، ويصل أثره إلى السودانيين في الداخل والمهجر.
إن تجربة (الرواويس) تؤكد أن الثقافة حين تُقدَّم بحسن اختيار وإعداد تصبح قوة ناعمة تصنع الوعي، وتخفف حدة الاستقطاب، وتفتح مسارات للوعي المشترك، والمجتمع الذي يعتاد الحوار الثقافي الرفيع يصبح أكثر قدرة على مواجهة الشائعات والأفكار السطحية، وأكثر استعداداً لصناعة قرارات رشيدة في حياته العامة والخاصة. لذلك يستحق هذا النموذج الدعم والتوثيق والتطوير، مع توسيع حضوره وإتاحة محتواه لجمهور أوسع عبر الوسائط الرقمية، فمنتدى (الرواويس) يبرهن على أن المنتدى الثقافي يمكن أن يكون مجلس معرفة، ومنصة فن، ومدرسة وعي، وملتقى إنسانياً يضيف إلى المجتمع السوداني قيمة باقية وأثراً ممتداً، ويمنح أجياله قدرة أعمق على فهم ذاتها وصياغة مستقبلها بثقة ووعي ومسؤولية وروح إنسانية رحبة.













