في الصميم
حسن أحمد حسن
كانوا يقولون قديمًا إن الرجال يُعرفون بالمواقف، وإن قيمة الإنسان في أخلاقه، وإن المحبة لا تُشترى ولا تُباع. لكن في زمنٍ اختلت فيه الموازين، أصبح الميزان الوحيد عند البعض هو رصيد البنك… لا رصيد المروءة.
ما إن يفتح الله على إنسان بالمال، حتى ترى الوجوه تتبدل، والابتسامات تتسع، والأبواب تُفتح، والكراسي تُزاح له احترامًا. يُقال له: المرطب، الشيخ، الزعيم، الجلابي، سيد الناس، ودهب داماس. إن وقف قالوا: قامة، وإن جلس قالوا: هامة. حديثه حكمة، وصمته هيبة، وضحكته كرم، حتى وإن كان بالأمس لا يجد من يسأل عنه أو يلتفت إليه.
فجأة يصبح صاحب المال هو الحكيم، وهو الكريم، وهو الذي تُستشار آراؤه في كل صغيرة وكبيرة، لا لأن عقله ازداد، بل لأن جيبه امتلأ.
لكن… هل هذا احترام؟ أم عبادة للمال في ثوب المجاملة؟
المؤلم أن كثيرًا من العلاقات اليوم أصبحت تُقاس بحجم المحفظة، لا بحجم القلب. فمن يملك المال يجد الناس يتسابقون لخدمته، ويتنافسون في التقرب إليه، ويغدقون عليه كلمات الثناء حتى تكاد تلامس السماء. أما إذا تعثرت به الأيام، وضاقت عليه الدنيا، وأعلنت الحياة إفلاسه، فإن المشهد ينقلب رأسًا على عقب.
تختفي الهواتف التي كانت لا تهدأ، وتنقطع الزيارات التي كانت لا تتوقف، ويختفي الذين كانوا يرددون: “نحن معك في السراء والضراء.” عندها يكتشف أن كثيرًا ممن حوله لم يكونوا يحبونه… بل كانوا يحبون ما في جيبه.
وهنا تظهر الحقيقة المرة…
القروش تكشف النفوس أكثر مما تغيّرها.
فالنفوس الأصيلة تبقى وفية في الغنى والفقر، أما النفوس المريضة فلا ترى في الإنسان إلا رصيده، فإذا انتهى الرصيد انتهت العلاقة.
كم من رجل كان مجلسه لا يخلو من الضيوف، فلما ضاقت به الحال أصبح يمشي في الطرقات فلا يكاد يجد من يلقي عليه السلام. وكم من امرأة كانت تُلقب بـ”ست الناس” لأن المال كان يسبق اسمها، فلما تبددت الثروة تبددت معها الألقاب، وكأن الاحترام كان عقد إيجار انتهت مدته بانتهاء المال.
إن المال نعمة، لكنه ليس مقياسًا للإنسان. والكرامة لا تُشترى، والوفاء لا يُباع، والمحبة الحقيقية لا تُكتب على ورقة نقدية.
سيظل المال قادرًا على شراء القصور والسيارات والهدايا، لكنه لن يشتري قلبًا صادقًا، ولن يصنع وفاءً حقيقيًا، ولن يخلق إنسانًا نبيلًا.
وفي النهاية…
احذر أن تنخدع بمن يصفق لك وأنت غني، فربما يكون أول من يدير لك ظهره عندما تفرغ جيوبك. ولا تحزن إن تركك الناس بعد الفقر، لأنهم لم يكونوا لك منذ البداية، بل كانوا لضجيج المال الذي كان يحيط بك.
فالذهب الحقيقي ليس “دهب داماس”… بل الإنسان الذي يبقى إلى جوارك عندما لا يبقى في جيبك سوى الكرامة.











