قراءة في واحدة من روائع الغناء السوداني الخالدة
صلاح مصطفى.. صوت منح الكلمات حياة
محجوب سراج.. شاعر رسم المشاعر ببراعة
عبدالمنعم هلال ـ آكشن سبورت
ـ أغنية (بعد الغياب) للشاعر الراحل محجوب سراج وألحان وأداء الفنان صلاح مصطفى تعد من روائع الأغاني السودانية التي تتناول موضوع الفقد والاشتياق ثم الفرح بعودة الحبيب المنتظر.
الأغنية تتحدث عن مراحل الحب الثلاثة الغياب والألم والاشتياق وأخيراً الفرح باللقاء. استخدم الشاعر صوراً شعرية مليئة بالمشاعر بينما جاءت ألحان صلاح مصطفى لتعزز الإحساس العميق بالكلمات مما يجعل الأغنية لوحة فنية خالدة في وجدان المستمع السوداني.
ـ قبل ما ندخل في تفاصيل النص لازم نقيف احتراماً أمام قامة فنية كبيرة زي الفنان صلاح مصطفى صاحب الصوت الدافئ والإحساس العالي والقدرة النادرة على تحويل الكلمة إلى شعور يُعاش قبل أن يُسمع تميز صلاح مصطفى باختياراته الدقيقة للنصوص التي تمس وجدان الإنسان السوداني فكانت أغنياته تعيش لعقود لأنها لا ترتبط بزمن وإنما ترتبط بالمشاعر أما الشاعر محجوب سراج فهو واحد من أبرز شعراء الأغنية السودانية عُرف بلغته الرقيقة وصوره الشعرية العميقة وقدرته على رسم لوحات كاملة بكلمات قليلة حتى أصبحت كثير من أعماله علامات مضيئة في تاريخ الغناء السوداني.
ـ هناك أغنيات نسمعها فتطربنا وهناك أغنيات تعيش معنا تكبر في داخلنا كلما مررنا بتجربة حب أو فراق ورائعة (بعد الغياب) من تلك الأعمال الخالدة التي لا تكتفي بسرد قصة عاشق وإنما تحكي رحلة الإنسان مع الانتظار والألم والرجاء ثم لحظة الانتصار على الحزن باللقاء.
*بعد الغياب
بعد الليالي المُرة في حضن العذاب
عاد الحبيب المنتظر عوداً حميداً مستطاب
يا للهوى يا للشباب يا للدعاء المستجاب..
ـ الشاعر ما بدأ بالفرحة بدأ بالطريق البوصل ليها. كلمة (بعد) المتكررة بتورينا إنو الفرح الحقيقي ما عندو قيمة إلا بعد تعب طويل والليالي المُرة ما مجرد زمن مرّ وإنما سنوات من الوجع والانتظار و(حضن العذاب) صورة بديعة لأن الحضن عادة رمز للراحة لكن هنا العذاب ذاته بقى الحضن الوحيد.
ولمن يرجع الحبيب ما قال (رجع) وبس وإنما قال (عاد الحبيب المنتظر). كلمة المنتظر وحدها تختصر آلاف الأيام أما (عوداً حميداً مستطاب( فهي استقبال يليق بإنسان غيابه كان يساوي غياب الحياة نفسها.
ثم يبلغ الفرح قمته في ثلاث صيحات متتالية يا للهوى يا للشباب يا للدعاء المستجاب.
وكأن الحب أعاد العمر شباباً وجعل الدعوات القديمة التي ظلت معلقة في السماء تنزل أخيراً جواباً.
*في غيابك أضناني الألم وفقدت للأيام مذاق..
ـ هنا ينتقل الشاعر من وصف الحدث إلى وصف أثره النفسي.
(أضناني الألم( تعني أن الوجع لم يعد مجرد شعور عابر وإنما استنزف الجسد والروح معاً.
أما (وفقدت للأيام مذاق) فهي من أجمل الصور لأن الزمن نفسه أصبح بلا طعم الأيام تمضي لكنها بلا حياة وكأن الإنسان يعيش فقط لأن عقارب الساعة تتحرك.
*إندس في قلبي النغم واتجلّى في عيوني الفراق..
ـ النغم في العادة رمز للفرح لكن هنا أصبح ذكرى تسكن القلب.
كل لحن صار يذكره بالحبيب وكل أغنية تحولت إلى جرح جديد.
أما (اتجلّى في عيوني الفراق) فتعني أن الحزن لم يعد مخفياً داخل القلب وإنما أصبح واضحاً في نظراته حتى صارت العين تتحدث بما يعجز عنه اللسان.
*أصبحت أشعر كالسجين
لو مرت النسمات تطوف من خلف شباكه الحزين..
ـ دي من أعمق الصور الشعرية في الأغنية كلها السجين يرى الدنيا ولا يستطيع الوصول إليها يشم الهواء لكنه لا يملك الحرية يرى الحياة تمشي أمامه لكنه عاجز عن اللحاق بها.
وهكذا هو المحب أثناء الفراق يشاهد العالم يتحرك لكن قلبه واقف عند لحظة الوداع.
*تحمل من الورد العطوف
السلوى في ضمة حنين والذكرى في رحلة سراب..
ـ النسمات هنا ليست مجرد هواء وإنما رسائل تأتي من الماضي ورائحة الورد توقظ الذكريات الجميلة لكن المشكلة أن الذكرى لا تشفي وإنما تزيد الشوق.
ولهذا وصفها بأنها (رحلة سراب) تراها أمامك وكأنها حقيقة لكن كلما اقتربت منها اكتشفت أنها مجرد وهم لا يمكن الإمساك به.
إنها واحدة من أكثر الصور الشعرية صدقاً في التعبير عن الفقد.
*سر الغرام نبع الحنان
قمرية في قلبي الودود غنت على سمع الزمان
من وحي ألحان الخلود..
ـ هنا يتحول الحبيب من إنسان عادي إلى رمز للجمال (نبع الحنان) يعني أن مصدر الدفء كله موجود فيه
أما تشبيهه بـ(القمرية) فليس لمجرد جمالها وإنما لأن صوت القمرية في الثقافة السودانية مرتبط بالشوق والهدوء والصفاء.
ولذلك يقول إنها غنت (على سمع الزمان) أي أن هذا الحب أكبر من لحظة عابرة، وسيظل يتردد صداه مع الزمن.
*نحنا التقينا على أمل فعلام هجرك والصدود ..؟..
ـ هذا السؤال ليس طلباً لإجابة إنه سؤال احتجاج كيف يجتمع قلبان على الأمل ثم ينتهي الأمر بالهجر ..؟
وكأن الشاعر يقول إن الفراق يناقض كل الوعود التي بدأ بها الحب.
ولذلك جاءت نبرة العتاب هادئة،لكنها مؤلمة أكثر من الصراخ.
*فبحق من جعل القلوب شوقاً وحناناً تذوب
لا نفترق لا..
ـ هنا يصل الحب إلى مرحلة الدعاء لم يعد العاشق يعتمد على الكلام وإنما يستحلف بكل من خلق الحب نفسه
وكلمة (لا) بعد (لا نفترق) جاءت وحدها لتؤكد الخوف من تكرار التجربة.
وكأنها صرخة خرجت من القلب قبل أن تكون كلمة في الأغنية.
*بعد اللقاء بعد الأمل بعد الرجاء
وعاد الصفاء وعاد الحبيب المنتظر..
ـ النهاية ليست مجرد نهاية قصة حب إنها إعلان انتصار الصبر.
اللقاء هنا أعاد الصفاء، وأعاد التوازن للنفس وأعاد للحياة معناها.
ولهذا يعود الشاعر إلى المطلع مرة أخرى لأن الرحلة اكتملت، وأصبح الفرح أكثر قيمة بعد أن مر بكل ذلك الألم.
لو تأملنا الأغنية بصورة أعمق سنجد أن الحبيب ربما لا يكون شخصاً فقط قد يكون وطناً غاب أو أماً رحلت أو زمناً جميلاً انتهى أو حتى سلاماً افتقدناه.
ولهذا السبب ظلت الأغنية حية حتى اليوم لأن كل مستمع يجد فيها حكايته الخاصة ويضع مكان كلمة (الحبيب) الإنسان أو الشيء الذي فقده في حياته.
ومن جمال هذه الأغنية أنها تجاوزت حدود العاطفة وأصبحت جزءاً من الوجدان السوداني في مواقف كثيرة فعلى سبيل المثال عندما يتوقف الدوري السوداني لفترة طويلة ثم يعود الهلال إلى المنافسات تتغنى جماهيره تلقائياً بمطلع الأغنية (بعد الغياب عاد الحبيب المنتظر). هنا لا يكون المقصود حبيباً بالمعنى العاطفي وإنما الهلال نفسه النادي الذي يحتل مكانة خاصة في قلوب جماهيره فكما صوّر محجوب سراج لوعة الفراق وفرحة اللقاء يعيش الهلالاب الإحساس ذاته مع فريقهم فيتحول النص من قصة حب بين شخصين إلى قصة عشق بين جمهور ونادٍ وكأن الشاعر كتب كلماته لتصلح لكل غياب يعقبه لقاء ولكل شوق ينتهي بعودة طال انتظارها.
ستظل (بعد الغياب) واحدة من أجمل ما أنجبت الأغنية السودانية لأنها لم تتحدث عن الحب بوصفه قصة بين شخصين وإنما بوصفه رحلة إنسانية كاملة تبدأ بالانتظار وتمر بالألم وتتغذى على الذكريات ثم تنتهي بلقاء يعيد للروح نبضها وفي كل مرة نستمع فيها إلى صوت صلاح مصطفى وهو يردد (في غيابك أضناني الألم) نشعر أن الأغنية لا تغني لنا فقط بل تغني عنا وتترجم مشاعر ربما عجزنا عن التعبير عنها وتلك هي علامة الفن الحقيقي أن يبقى صادقاً مهما تبدلت الأزمنة وأن يظل قادراً على ملامسة القلب جيلاً بعد جيل.













