في الذكرى الثانية والأربعين لرحيل صاحب الحنجرة الذهبية





من بربر بدأت رحلة أسطورة الطرب
القرآن والذكر.. مدرسة أبو داود الأولى
برعي وعبد العزيز.. ثنائية صنعت المجد
عبد العزيز يفتح الطريق أمام بشير عباس
أداء استثنائي تجاوز حدود الزمان والمكان
المديح والحقيبة شكّلا ملامح تجربته
أبو داود والعطبراوي.. حكاية عمر
حفظ إرث الحقيبة بتسجيل 45 أغنية
مدرسة غنائية ما زالت تنبض بالحياة
سرعة البديهة صنعت حضوره الإنساني
عماد أحمد ـ آكشن سبورت
تحل غدًا، الخامس من أغسطس، الذكرى الثانية والأربعون لرحيل الفنان الكبير عبد العزيز محمد داود، أحد أبرز أعمدة الغناء السوداني الحديث، وصاحب المدرسة الغنائية التي جمعت بين قوة الأداء، وصدق الإحساس، وروعة اختيار النصوص والألحان. ورغم مرور أكثر من أربعة عقود على رحيله، ما تزال أعماله تتردد في وجدان السودانيين، شاهدة على تجربة فنية استثنائية أسهمت في تشكيل ملامح الأغنية السودانية الحديثة، وخلّدت اسمه بين كبار المبدعين.
البدايات من بربر
وُلد عبد العزيز محمد داود أبوبكر بمدينة بربر عام 1921، ونشأ في أسرة عُرفت بالتدين والتصوف، الأمر الذي أسهم في صقل موهبته الصوتية منذ سنواته الأولى. فقد كان قارئًا مجيدًا للقرآن الكريم، وامتلك صوتًا قويًا وجميلًا، كما ساعدته مشاركته المستمرة في حلقات الذكر والمدائح النبوية على تنمية قدراته الأدائية، وهي السمات التي ظلت ملازمة له طوال مسيرته الفنية.
وبعد وفاة والده التحق بالعمل في هيئة السكة الحديد، وهناك بدأ يردد أغنيات رواد الحقيبة، وفي مقدمتهم فضل المولى زنقار، الذي تأثر به كثيرًا في بداياته. وبعد فترة غادر العمل وانتقل إلى الخرطوم، حيث عمل في مطبعة «ماكوركوديل»، ثم في مطبعة «الشرق الأوسط»، قبل أن يتفرغ تدريجيًا للفن.
لقاء تاريخي
شكّل اللقاء الذي جمع عبد العزيز محمد داود بالموسيقار برعي محمد دفع الله بمدينة الأبيض نقطة التحول الكبرى في مسيرته الفنية.
وكانت الأبيض آنذاك تعيش أزهى عصورها الثقافية، وتضم نخبة من الشعراء والأدباء والمثقفين، لتصبح شاهدة على ميلاد واحدة من أهم الثنائيات في تاريخ الأغنية السودانية.
بدأ التعاون بينهما بأغنية «أحلام الحب» (زرعوك في قلبي) للشاعر محمد علي عبد الله “الأمي”، لتفتح الباب أمام سلسلة طويلة من الأعمال الخالدة التي جمعت بين عبقرية اللحن عند برعي، ودفء الصوت وقوة الأداء عند عبد العزيز.
وكان برعي يؤمن بأن الثنائيات الفنية قادرة على صناعة أعمال خالدة، ورأى في عبد العزيز الصوت الذي يستطيع إيصال ألحانه كما يتخيلها، بينما كان عبد العزيز يؤكد دائمًا أن برعي لم يكن مجرد ملحن، بل صديقًا ومستشارًا وشريكًا في النجاح.
ولخص برعي طبيعة تلك العلاقة بقوله: “عبد العزيز هو برعي، وبرعي هو عبد العزيز، ولو كنت مغنيًا لاخترت عبد العزيز ملحنًا لي.”
مدرسة خاصة
بفضل صوته العريض والدافئ، وقدرته الفريدة على التطريب، فرض عبد العزيز محمد داود نفسه واحدًا من أبرز نجوم الغناء السوداني، واستطاع أن يؤسس مدرسة خاصة جمعت بين قوة الأداء ورقي اختيار النصوص.
ولم يعتمد نجاحه على جمال الصوت وحده، بل على حسن انتقاء القصائد والتعامل مع نخبة شعراء الأغنية السودانية، إلى جانب ألحان كبار الموسيقيين، وهو ما منحه شخصية فنية متفردة لا تزال حاضرة حتى اليوم.
وتنوعت أعماله بين الأغنيات العاطفية والوطنية، وأغنيات الحقيبة، والمدائح النبوية، كما أعاد تقديم عدد كبير من روائع التراث بأسلوبه الخاص، حتى أصبحت كثير من تلك الأعمال مرتبطة باسمه في ذاكرة المستمعين.
تنوع كبير
تعاون عبد العزيز محمد داؤود مع عشرات الشعراء، من بينهم عبد الرحمن الريح، وإسماعيل حسن، وحسين بازرعة، والطاهر محمد عثمان، ومحمد علي عبد الله الأمي، وعوض أحمد خليفة، وعبد المنعم عبد الحي، والزين عباس عمارة، وإسحق الحلنقي، ومحمد علي أبوقطاطي، وعبد الكريم الكابلي، وغيرهم.
كما قدم عددًا من الأغنيات الوطنية التي ظلت حاضرة في الوجدان، إلى جانب المدائح النبوية التي أداها بإحساس عالٍ تأثرًا بنشأته الصوفية، وفي مقدمتها مدحة «السراي» للشيخ الطريفي الريح، وقصيدة «أنتم فروضي ونفلي» لابن الفارض، التي أنشدها أيضًا في فيلم «انتزاع الكهرمان» للمخرج حسين شريف.
وتعد تجربته في أداء أغنيات الحقيبة من أبرز محطات مسيرته، إذ سجل أكثر من 45 أغنية من روائع هذا اللون الغنائي، في مشروع توثيقي أسهم في حفظ هذا الإرث من الاندثار، بناءً على توجيه من الراحل محمد عامر بشير فوراوي، مدير وزارة الاستعلامات والعمل آنذاك.
ثنائيات خالدة
لم يكن نجاح عبد العزيز محمد داود نتاج صوته الاستثنائي وحده، بل ثمرة شراكات فنية متميزة مع كبار الملحنين والشعراء، وفي مقدمتهم الموسيقار برعي محمد دفع الله، الذي شكل معه واحدة من أنجح الثنائيات في تاريخ الأغنية السودانية.
وقد أثمرت تلك الشراكة عشرات الأعمال التي أصبحت من علامات الغناء السوداني، بينما ظل عبد العزيز وفيًا لفلسفة اختيار الكلمة الراقية واللحن الأصيل، وهو ما منحه مكانة خاصة في وجدان الجمهور.
صوت روحاني
إلى جانب الغناء العاطفي، تميز عبد العزيز محمد داؤود بأداء المدائح النبوية، مستفيدًا من نشأته في أسرة صوفية بمدينة بربر، حيث كانت دار أسرته مجاورة للزاوية القادرية، وحرص منذ صغره على حضور حلقات الذكر.
ومن أشهر ما قدمه مدحة «السراي» للشيخ الطريفي الريح، التي كانت أول أعماله عبر شاشة التلفزيون في برنامج «من الشاشة إلى الميكروفون». وعندما شاهد الشيخ الطريفي الأداء، أعجب به كثيرًا، وسلّم عبد العزيز النص الكامل للمدحة بعدما لاحظ أنه يؤديها ناقصة لعدم توفر كامل أبياتها لديه.
كما شارك بصوته في فيلم «انتزاع الكهرمان» للمخرج حسين شريف، من خلال إنشاد قصيدة «أنتم فروضي ونفلي» لابن الفارض.
بداية ملحن
من المحطات المهمة في مسيرة عبد العزيز محمد داود دوره في اكتشاف موهبة الموسيقار الراحل بشير عباس.
وخلال زيارة فنية إلى مدينة سنار، تعرّف إلى موهبة بشير في التلحين، وكان آنذاك نجل صديقه عباس بشير، فاختار منه لحن أغنية «أشوفك في عيني» للشاعر عبد الله النجيب، لتصبح أول عمل يلحنه بشير عباس، الذي تحول لاحقًا إلى أحد أبرز ملحني السودان.
وكان الموسيقار الراحل بشير عباس قد روى هذه القصة في حديث توثيقي عام 2009، مؤكدًا أن عبد العزيز كان أول من آمن بموهبته ومنحه فرصة الانطلاقة.
علاقة روح
وكشف الفنان الراحل حسن خليفة العطبراوي، في أحد حواراته الصحفية، عن عمق العلاقة التي جمعته بعبد العزيز محمد داؤود، مؤكدًا أنها تجاوزت حدود الفن إلى علاقة أسرية وإنسانية نادرة.
وأوضح أن صداقتهما بدأت منذ عمل عبد العزيز في السكة الحديد، قبل أن يلتقيا مجددًا في إذاعة أم درمان، حيث أصبحا لا يفترقان إلا ساعات النوم.
وقال العطبراوي إن عبد العزيز كان أول من يستقبله عند وصوله إلى الخرطوم، كما كان ضيفًا دائمًا على منزله في عطبرة، حتى إنه وصف علاقتهما بأنها «علاقة روح بالروح».
كما استعاد موقفًا طريفًا عندما حضر عبد العزيز إلى أحد الاستديوهات أثناء تسجيل أنشودة دينية، وطلب مشاركته في أدائها، فحفظ عددًا من المقاطع في دقائق، وشاركه الأداء بإتقان كبير.
حارس التراث
كان لعبد العزيز محمد داؤود دور بارز في حفظ تراث الحقيبة، عندما وجّهت وزارة الاستعلامات والعمل، في أواخر خمسينيات القرن الماضي، بتسجيل هذا الإرث خوفًا من ضياعه.
وكان نصيب عبد العزيز الأكبر من تلك التسجيلات، إذ سجل أكثر من 45 أغنية لكبار شعراء الحقيبة، من بينها «زهرة الروض الظليل» و**«يا عيني وين تلقي المنام»** و**«نسائم الليل»** و**«غزال الروض»** و**«لي زمن بنادي»** و**«البرهة القليلة»** و**«رشقتني عيونو»** و**«فلق الصباح»** و**«بدر التمام»**، وغيرها من الأعمال التي لا تزال تُبث حتى اليوم.
شيخ الظرفاء
إلى جانب موهبته الفنية، اشتهر عبد العزيز محمد داؤود بخفة الظل وسرعة البديهة، حتى لُقب بـ**«شيخ الظرفاء»**.
وكان يمتلك قدرة لافتة على التقاط المواقف الطريفة وصياغتها بأسلوب ساخر، الأمر الذي جعله محبوبًا داخل الوسط الفني وخارجه، كما عُرف بكرمه وتواضعه وعلاقاته الواسعة مع الفنانين والمثقفين.
إرث خالد
تزوج عبد العزيز محمد داؤود من السيدة فوزية محمد حسين عبادي، ورُزق بأبنائه عمران، وعاطف، وعلاء الدين، وعزام، وبناته عايدة، وماجدة، وعزة.
وفي الخامس من أغسطس عام 1984، رحل عن الدنيا بعد رحلة قصيرة مع المرض، ليوارى الثرى بمقابر حلة حمد بمدينة بحري، تاركًا وراءه إرثًا فنيًا ظل حاضرًا في ذاكرة الأجيال.
ورغم مرور 42 عامًا على رحيله، ما تزال أغنياته تتردد في الإذاعات والمنصات الفنية، ويستحضرها الفنانون والجمهور بوصفها نموذجًا للأداء الراقي والكلمة الجميلة واللحن الأصيل، لتبقى تجربته واحدة من أهم المحطات في تاريخ الغناء السوداني.
شكر وتقدير
الشكر والتقدير للأستاذ عزام عبد العزيز محمد داؤود، نجل الفنان الراحل، على ما قدمه من معلومات ووثائق قيّمة أسهمت في توثيق هذه السيرة، وذلك منذ عام 2009، وكان لها دور كبير في إثراء هذا الملف التوثيقي عن أحد أعظم رموز الفن السوداني.













