روى حكايات من دهاليز اتحاد الخرطوم وكواليس صناعة القرار

تجمعات العاصمة رسمت خريطة انتخابات شيخ الاتحادات
شكاوى الأندية صنعت اجتهادات في القواعد العامة
ظاهرة غريبة .. ناد يكسب مباراة ويتقدم باحتجاج
تقرير الحكم أنقذ برشم من عقوبة قاسية
الدرجات الصغرى صنعت خبرات الإدارة الكروية
الشكاوى تحسم فورا .. والبلولة يحسم السكرتارية بالتزكية
إبراهيم عوض ـ آكشن سبورت
يستعيد الإعلامي علي الريح الصديق في هذه الحلقة من مذكراته جانباً مهماً من تاريخ العمل الإداري في كرة القدم السودانية، متوقفاً عند تجربة اتحاد الخرطوم المحلي، وطبيعة التوازنات التي كانت تحكم الانتخابات، والصراع بين تجمعات الخرطوم وأم درمان وبحري، إلى جانب عدد من القضايا والشكاوى التي أسهمت الاجتهادات فيها لاحقاً في تطوير القواعد العامة للمنافسات.
ثلاثة تجمعات
كانت كرة القدم في العاصمة تقوم على ثلاثة تجمعات رئيسية: الخرطوم وأم درمان وبحري، وكان لكل تجمع ثقله الانتخابي وتأثيره في تكوين اتحاد الخرطوم.
وكان تجمع أم درمان يتمتع بتأثير كبير بحكم عدد أصواته، خاصة مع وجود أندية الهلال والمريخ والموردة، إلى جانب أندية الدرجتين الثانية والثالثة. وفي المقابل، كان للخرطوم وبحري حضورهما المؤثر، ما فرض نوعاً من التوازن والتوافق عند اختيار قيادة الاتحاد.
واستقر عرف انتخابي لفترات طويلة على أن تكون رئاسة الاتحاد من نصيب الخرطوم، بينما تذهب السكرتارية إلى أم درمان، في حين تتولى بحري أمانة الخزينة. واستمر هذا الترتيب سنوات طويلة، وبرز خلاله عدد من الإداريين الذين تركوا بصماتهم على العمل الرياضي.
معركة السكرتارية
لكن تلك التوافقات لم تكن بمنأى عن محاولات التغيير، إذ بدأت بعض الأندية تطالب بحقها في المنافسة على المواقع القيادية، ومن بينها السكرتارية.
وفي إحدى الانتخابات قدم تجمع بحري مجدي شمس الدين مرشحاً للسكرتارية، بينما قدمت أم درمان مرشحها محمد أحمد البلولة. ومع اقتراب موعد الجمعية العمومية، كشفت الحسابات أن موقف بحري لم يكن بالقوة الكافية لحسم المعركة، وأن الانتخابات ربما تقود إلى انقسام بين التجمعات.
وعقب اجتماع ضم ممثلين من بحري والخرطوم، جرى التوصل إلى تفاهم يقضي بتنازل مجدي شمس الدين لمصلحة البلولة، ووافق مجدي على المقترح، ليعلن أمام الجمعية العمومية تنازله باسم تجمع بحري، وتنتهي معركة السكرتارية بالتزكية.
فرصة مجدي
بعد انتخابات الاتحاد المحلي، كان رئيس الاتحاد وسكرتيره يمثلان الخرطوم في الجمعية العمومية للاتحاد العام. وفي تلك الفترة كان الدكتور كمال شداد مرشحاً للرئاسة، بينما كان فتحي إبراهيم عيسى مرشحاً للسكرتارية.
وقبل الانتخابات بوقت قصير، طرأت ظروف أدت إلى سحب فتحي إبراهيم عيسى ترشيحه، وهنا تحرك تجمع بحري سريعاً، وقرر تقديم مجدي شمس الدين للسكرتارية.
ويتذكر علي الريح أن وفداً كبيراً من تجمع بحري توجه إلى منزل الدكتور كمال شداد، وطالبه بإدخال مجدي ضمن قائمته، مستنداً إلى تجربته وموقفه السابق عندما تنازل عن سباق سكرتارية اتحاد الخرطوم حفاظاً على التوافق.
وبعد نقاشات طويلة وافق شداد، وقدم مجدي ترشيحه في الليلة نفسها، لتنتهي الانتخابات بفوز كمال شداد بالرئاسة ومجدي شمس الدين بالسكرتارية، في بداية شراكة إدارية امتدت آثارها لسنوات.
قضية المزاد
أتاحت عضوية علي الريح في اللجنة الإدارية لاتحاد الخرطوم الاقتراب أكثر من تفاصيل العمل والقضايا التي كانت تصل إلى الاتحاد، وبعضها لم تكن القواعد العامة قد وضعت له نصوصاً واضحة.
ومن أغرب تلك القضايا شكوى تقدم بها فريق المزاد، الذي كان يلعب في الدرجة الثالثة، رغم فوزه في مباراته أمام الأملاك بهدف دون مقابل. وأثارت الشكوى الاستغراب، لأن القاعدة السائدة كانت أن الفريق المتضرر هو الذي يتقدم بالشكوى، بينما المزاد فاز بالمباراة.
لكن مسؤولي النادي كانت لديهم حسابات أخرى؛ فالفوز بالشكوى كان سيمنح فريق المزاد نتيجة أفضل تساعده في حسابات المنافسة والتأهل. فبدلا من فوزه في الميدان 1ـ 0، سيعتبر فائزا 2ـ0 وفقا للائحة المسابقات، وهو ما سيمنحه افضليه.
وبسبب عدم وجود نص واضح يعالج حالة فريق فائز يتقدم بشكوى، جرت دراسة القضية والتشاور بشأنها، ووصل الأمر إلى الدكتور كمال شداد، الذي أقر بأن القواعد العامة لم تكن قد حسمت مثل هذه الحالة بصورة واضحة.
ونُظرت الشكوى في النهاية، وأسهمت القضية في لفت الانتباه إلى ضرورة معالجة هذه الثغرة ضمن القواعد العامة.
واقعة برشم
ومن القضايا الأخرى التي بقيت عالقة في الذاكرة واقعة لاعب الموردة خالد برشم، الذي طرده الحكم في إحدى المباريات.
وعند نظر القضية، طلبت اللجنة تقرير الحكم لمعرفة تفاصيل الواقعة، خاصة أن العقوبة المحتملة كانت كبيرة إذا ثبت الاعتداء على الحكم المساعد.
وكانت العبارة الواردة في التقرير، وفق رواية المذكرات، أن الاعتداء وقع «كما رُوي لي»، وهو ما أثار نقطة قانونية مهمة: الحكم نفسه لم يشاهد الواقعة.
ودرست اللجنة القضية والنصوص المنظمة لها، وانتهت إلى عدم تطبيق عقوبة الاعتداء على الحكم بالصورة المشددة، باعتبار أن الحكم لم يشاهد الواقعة بنفسه، والاكتفاء بالتعامل مع الطرد في إطاره القانوني، وهو قرار أنقذ اللاعب من عقوبة كان يمكن أن تبعده فترة طويلة عن الملاعب.
حسم سريع
ويلفت علي الريح إلى جانب يراه مهماً في تلك التجربة، وهو سرعة حسم القضايا والشكاوى، إذ كانت اللجنة الإدارية تجتمع في يوم ثابت وتنظر الملفات بصورة منتظمة، ولم تكن القضايا تبقى معلقة لأشهر طويلة.
ويقارن ذلك بما يحدث في فترات لاحقة، حيث يمكن أن تستغرق بعض القضايا ثلاثة أو أربعة أو خمسة أشهر قبل الفصل فيها، بينما كانت سرعة اتخاذ القرار آنذاك جزءاً أساسياً من قوة الاتحاد وهيبته.
مرمى ناقص
ومن القضايا اللافتة أيضاً شكوى نادي حلة حمد عقب مباراة أقيمت بملعب الأملاك، إذ تبين بعد الرجوع إلى الجهات المختصة أن أحد المرميين لم يكن مطابقاً تماماً للمقاسات القانونية.
وأصبحت اللجنة أمام وضع غير مألوف: المباراة أقيمت بالفعل، والفريقان لعبا في الملعب نفسه، وكل منهما استخدم المرمى محل الملاحظة.
وبعد دراسة القضية، استقرت اللجنة على أن الفرص كانت متساوية بين الناديين، وأن النقص في المرمى لم يمنح أحدهما ميزة منفردة على الآخر، ومن ثم اتخذ القرار على هذا الأساس.
اجتهادات قانونية
ويرى علي الريح أن أهمية مثل هذه القضايا لم تكن في نتائجها وحدها، بل في أنها صنعت اجتهادات إدارية وقانونية أسهمت في سد الثغرات وتطوير القواعد العامة، إذ كانت الاتحادات المحلية ترفع توصياتها إلى الاتحاد العام لتجد طريقها لاحقاً إلى التعديلات التي تعتمدها الجمعيات العمومية.
ويشير إلى أن الكثير من القضايا التي صنعت تلك الاجتهادات جاءت من الدرجات الدنيا، وهو ما عزز قناعة الإداريين وقتها بأن العمل الحقيقي في كرة القدم يبدأ من الأندية الصغيرة والدرجة الثالثة، لأنها المدرسة التي يتعلم فيها الإداري تفاصيل اللوائح والشكاوى والمنافسات قبل الانتقال إلى الأندية الكبيرة ومواقع القيادة.
وهكذا لم يكن اتحاد الخرطوم مجرد جهة تنظم المباريات، بل كان مدرسة إدارية وقانونية خرجت منها تجارب وشخصيات تركت أثراً واضحاً في مسيرة كرة القدم السودانية.













