أبدع في الشعر والمسرح وترك إرثاً لا يُنسى



«لأنك عندي كل الخير».. الأشهر بين روائعه
عنبر المجنونات وضرة واحدة لا تكفي أبرز اعماله المسرحية
الكلمة الجميلة كانت مشروع حياته الفني
قصائده منحت الأغنية السودانية روحاً جديدة
مسرحه ناقش المجتمع بلغة راقية وبسيطة
عقد الجلاد خلّدت واحدة من روائعه
عبدالمنعم هلال ـ آكشن سبورت
عندما يُذكر اسم عماد الدين إبراهيم، فإنه لا يُستحضر بوصفه شاعراً غنائياً فحسب، بل باعتباره أحد أبرز المبدعين الذين جمعوا بين الشعر والمسرح والإخراج، وقدموا تجربة فنية متفردة أثرت الساحة الثقافية السودانية لعقود. كان شاعراً يكتب بالكلمة الصادقة، ومسرحياً يؤمن بأن الفن رسالة لبناء الإنسان، لذلك جاءت أعماله مفعمة بالإنسانية والجمال والوجدان.
كان عماد الدين إبراهيم، ابن مدرسة الخرطوم جنوب (1) النموذجية، وابن امتداد الدرجة الثالثة، من أبناء جيل حمل همَّ الثقافة والفن. تخرج في معهد الموسيقى والمسرح، وعمل أستاذاً بالمعهد، ثم مخرجاً إذاعياً ومسرحياً، ومديراً للدراما بالتلفزيون القومي، قبل أن يتولى عدداً من المواقع الثقافية والإدارية، كان آخرها المدير التنفيذي لوزارة الثقافة والإعلام بولاية الخرطوم. لكن المنصب الذي ظل محفوراً في ذاكرة الناس هو منصب “صانع الجمال“، فقد ظل طوال مسيرته مؤمناً بأن الكلمة الجميلة قادرة على تغيير الإنسان قبل أن تمنحه المتعة.
مسرح خالد
في المسرح، قدم أعمالاً أصبحت من علامات الدراما السودانية، من بينها: عنبر المجنونات، وبيت بت المنى بت مساعد، وبرلمان النساء، وضرة واحدة لا تكفي، وغيرها من الأعمال التي مزجت بين الكوميديا الهادفة والنقد الاجتماعي، وناقشت قضايا المجتمع السوداني بلغة بسيطة وعميقة في آن واحد.
أما في الأغنية، فكان صاحب بصمة خاصة، إذ كتب نصوصاً مختلفة عن السائد، اعتمدت على الصورة الشعرية والرمزية، وابتعدت عن المباشرة، فوجدت طريقها سريعاً إلى قلوب الفنانين والجمهور.
هناك شعراء يكتبون القصيدة، وهناك من يكتبون الحياة نفسها، وكان عماد الدين إبراهيم واحداً منهم. فقد استطاع أن يحول الكلمة السودانية إلى لوحة نابضة بالإحساس، وأن يجعل من المسرح والأغنية مرآةً تعكس وجدان الإنسان السوداني وأحلامه، وظلت بصمته حاضرة حتى بعد رحيله في مايو 2020.
قصيدة خالدة
من أجمل ما كتب عماد الدين إبراهيم قصيدة «كل الخير»، التي لحنها الموسيقار عثمان النو، وأبدعتها مجموعة عقد الجلاد بأدائها الجماعي المتناغم، لتصبح واحدة من أجمل الأغنيات السودانية التي تحتفي بالحب والأمل والإنسان.
منذ المطلع، لا يقدم الشاعر قصيدة غزل تقليدية، وإنما يرسم لوحة كاملة من الضوء والفرح، يجعل فيها المحبوبة رمزاً لكل ما هو جميل.
يفتتحها بقوله:
«لأنك عندي كل الخير»
فالمحبوبة ليست جزءاً من الخير، بل هي الخير كله، ومصدر الطمأنينة والسعادة والأمل.
ثم يقول:
«وجيهك فرحة الدنيا»
ولا يصف جمال الوجه فحسب، بل يجعله اختصاراً لفرحة الحياة كلها.
وفي قوله:
«ودواخلك زي شعاع النور»
ينتقل من جمال الملامح إلى جمال الروح، فيشبه الداخل بشعاع النور الذي يبدد الظلام ويمنح الحياة معناها.
ومن أعمق صور القصيدة:
«عرفتك وكنت زي شفتك قبل ألقاك»
حيث يعبر عن إحساس الألفة القديمة، وكأن الأرواح تعارفت قبل اللقاء.
ويواصل رسم صوره الشعرية بقوله:
«وزي إنك بتنبعي من فرح جواي»
فالمحبوبة ليست وافدة من الخارج، وإنما جزء من روحه خرج إلى الحياة.
صور شعرية
يمضي النص في تقديم صور شعرية آسرة، مثل:
«تمسحي عن رؤاي الضيم»، حيث تصبح المحبوبة مصدر الخلاص من الهموم.
و**«وتضحكي للزمان الجاي»**، فتتحول الابتسامة إلى وعدٍ بمستقبل أجمل.
أما قوله:
«وتتفجر مسامك ضي مع الصبح الغشانا شوي»
فيعد من أجمل الصور الشعرية، إذ يجعل الضوء ينبعث من الإنسان نفسه مع إشراقة الصباح.
ويبلغ النص ذروته العاطفية في قوله:
«كأني معاك كائن حي»
ليؤكد أن وجود المحبوبة هو الذي يمنح الحياة معناها.
كما يشبه صفاءها بحقل غمره الندى في الصباح:
«كأنو صفاك كأنو الحقل زهيراتاً غشاها الطل»
وهي صورة مفعمة بالنقاء والجمال الطبيعي.
ويختم القصيدة بأمنية إنسانية رقيقة:
«وشان تفضل ملامحك فيّ زي ما كنتي في الأول»
فيتمنى أن تبقى صورتها الأولى الجميلة ساكنة في داخله، لا يبدلها الزمن ولا تغيرها المسافات.
عمل خالد
في ظاهرها تبدو «كل الخير» قصيدة حب، لكنها في عمقها قصيدة عن الإنسان الذي يمنح الحياة معناها. فالمحبوبة قد تكون امرأة، وقد تكون الوطن، أو الأم، أو الحلم، أو القيم الجميلة التي تجعل الإنسان أكثر إشراقاً.
وقد نجح عثمان النو في صياغة لحن هادئ وانسيابي احتضن الكلمات دون أن يطغى عليها، بينما جاءت عقد الجلاد بأدائها الجماعي المتناغم لتمنح النص روحاً إضافية، حتى غدت الأغنية واحدة من الأعمال الخالدة في ذاكرة الغناء السوداني.
رحل عماد الدين إبراهيم، لكن كلماته ما زالت تنبض بالحياة، وأعماله المسرحية لا تزال شاهدة على مبدع آمن بأن الفن رسالة، وأن الشعر نور يبدد العتمة. وستظل «كل الخير» واحدة من أجمل قصائده، لأنها لا تتحدث عن الحب بوصفه علاقة بين شخصين فحسب، بل تقدمه باعتباره طاقة تمنح الإنسان الأمل والحياة، وعندما اجتمع شعره مع لحن عثمان النو وأداء عقد الجلاد، وُلد عمل فني خالد سيظل يردده السودانيون جيلاً بعد جيل.













