ثلاث سنوات على الرحيل.. والنغم ما زال حاضراً



كسلا شهدت انطلاقة رحلة أبدعت ألحاناً خالدة
ثنائية فنية صنعت أجمل أغنيات زيدان إبراهيم
مسيرة جمعت بين الغناء والتلحين وكتابة الشعر
ألحانه عبرت من زيدان إلى عبد العزيز المبارك
من «قصر الشوق» إلى «أحلى عيون بنريدا»
عبد المنعم هلال ـ آكشن سبورت
في يوم 25 أغسطس 2023، غاب عن الدنيا واحد من الناس العملوا في صمت، لكن خلوا وراهم أثر ما بتقدر الأيام تمسحو. غاب الموسيقار والفنان والملحن عمر الشاعر، لكن ألحانه لسه عايشة في وجدان السودانيين، ولسه أغنياته بتتردد في البيوت والمنتديات والليالي السودانية. وبعد ثلاثة أعوام على رحيله، بنكتشف إنو بعض الفنانين ما بموتوا بمغادرة الدنيا، لأنو أعمالهم بتتكفل بمواصلة حياتهم.
بداية الحكاية
عمر عبدالله محمد إبراهيم، المعروف فنياً باسم عمر الشاعر، ولد في كسلا سنة 1949، وهناك بين القاش وجبال التاكا وأجواء المدينة الفنية بدأت علاقته بالموسيقى. كان شغوفاً بالعود، وتعلم العزف بمساعدة جارهم محمد شريف، وبعدها شارك في تكوين فرقة موسيقية قدمت السهرات والحفلات في أحياء كسلا، كما بدأ الغناء في وقت مبكر قبل أن يتجه بصورة أكبر إلى التلحين.
انتقل بعد ذلك للخرطوم، والتحق بالمعهد العالي للموسيقى والمسرح، وتخرج عام 1974. وفي جانب آخر من حياته، كان عمر الشاعر ضابطاً بالقوات المسلحة، وتخرج في الكلية الحربية عام 1982، وتدرج في الرتب حتى وصل إلى رتبة عميد فني قبل إحالته للمعاش عام 2002، وبعد ذلك عمل بكلية علوم الطيران الجامعية حتى عام 2006.
والحكاية الطريفة في مسيرته إنو عمر الشاعر كان مغنياً أيضاً، لكن صوتو ما كان مجازاً في البداية، ولذلك اتجه أكثر للتلحين، وكأنو القدر كان داير يخبي لينا واحداً من كبار ملحني الأغنية السودانية.
ثنائية تاريخية
لما نتكلم عن عمر الشاعر، صعب جداً ما نتكلم عن زيدان إبراهيم. العلاقة الفنية والإنسانية بين الاتنين كانت واحدة من أجمل الثنائيات في تاريخ الغناء السوداني. عاشا سنوات متجاورين في حي العباسية بأم درمان، ومع الشاعر محمد جعفر عثمان اكتملت واحدة من أهم ثلاثيات الإبداع: شاعر يكتب، وملحن يصيغ الإحساس، وفنان يمنحو صوتو وروحو.
ومن ألحان عمر الشاعر التي ارتبطت بصوت زيدان: «في الليلة ديك» و«قصر الشوق» و«حنين يا ليل» و«أسير حسنك يا غالي» و«أخونك» و«وسط الزهور متصور» و«ما أصلو ريدك أصبح حياتي» و«هل تصدق أخونك» و«هانت الأيام» و«عمر السنين» وغيرها.
وفي «الليلة ديك»، قدر عمر يحول كلمات بابكر الطاهر شرف الدين إلى حالة وجدانية كاملة، بينما جاءت «قصر الشوق» ثمرة تعاون إبداعي مميز بين عمر الشاعر وزيدان إبراهيم والشاعر التجاني حاج موسى، حتى إنها فازت بمسابقة أغنية الموسم في الثمانينات.
أصوات متعددة
عمر الشاعر لحن لعدد من الفنانين، ما زيدان براهو.
دي نقطة مهمة جداً. أحياناً الناس بتختصر تجربة عمر الشاعر في زيدان، لكن الحقيقة إنو الراجل لحن لعدد كبير من الفنانين، وكان من أبرزهم، عبد العزيز المبارك، ومن الأعمال البارزة «ما كنت عارف» و«آخر العشرة» و«أحلى عيون بنريدا» و«زي ما بنشفق».
وفي «أحلى عيون بنريدا» مثلاً، بتجي الكلمات في بساطتها المحببة «يا أحلى عيون بنريدا»، لكن اللحن هو البخلي الجملة تعلق في الراس وتعيش سنين طويلة.
كما تعاون مع فتحي حسين في «العزيزة»، وقدم ألحاناً لعدد من الفنانين، وهو ما يؤكد أن تجربته ما كانت مرتبطة بصوت واحد أو مدرسة واحدة.
مدرسة لحنية
أجمل حاجة في تجربة عمر الشاعر إنو ما كان بفتش عن التعقيد عشان يقول للناس أنا ملحن كبير. ألحانو كانت سلسة، عذبة وقريبة من الوجدان السوداني، وفي نفس الوقت فيها تجديد واضح. كان مؤمناً بأن التجديد الحقيقي ما معناهو قطع الصلة بالموروث، بل إنك تعرف تراثك كويس، وبعد داك تبني عليهو الجديد.
وكان مميزاً في اختيار الألحان المناسبة لقدرات الفنان الصوتية، بحيث ما يرهق المغني في القرار أو الجواب، ودي واحدة من أسرار نجاح ألحانو واستمرارها.
فنان متكامل
رغم أن شهرته الأكبر جاءت من التلحين، إلا أن عمر الشاعر كان فناناً متكاملاً: عازف، مغنٍ، ملحن وكاتب شعر. وتشير المصادر إلى أنه كتب الشعر ولحن من كلماته أكثر من عشر أغنيات، وله ديوان شعر كامل، كما ظهرت له تسجيلات تلفزيونية وهو يؤدي بعض الأعمال.
نغم باقٍ
ثلاث سنوات مرت على الرحيل، لكن «قصر الشوق» لسه قصر واقف لم ينهد، و«في الليلة ديك» لسه بتاخد الناس للزمن الجميل، و«حنين يا ليل» لسه بتفتح أبواب الذكريات، و«أحلى عيون بنريدا» لسه بتخلي الناس تبتسم.
رحل عمر الشاعر في زمن كان السودان محتاجاً فيه لصوت الجمال أكتر من أي وقت مضى، لكنه ترك لينا حاجة أغلى من الحضور الشخصي، ترك ألحاناً ما بتعرف الحرب وما بتعرف النزوح وما بتعرف الموت.
عمر الشاعر غاب جسداً، لكنه لسه موجود في أغنية، وفي لحن، وفي ذكرى، وفي قلب زول سوداني كل ما سمع نغمة من ألحانو قال: يا سلام.. عمر الشاعر كان زولاً مختلفاً.
رحم الله عمر الشاعر، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه من جمال وفن وإبداع في ميزان حسناته.
ثلاث سنوات على الرحيل، واللحن لسه ما انتهى.













