طق خااااص
خالد ماسا
ولو نظرنا إلى حقيقة ما يحتاجه الهلال من الانتخابات القادمة، لوجدنا أن الأولوية في الاحتياج هي للرّصيد الإداري أكثر من الاحتياج المالي. وكمتابع جيد لما يجري في الهلال، فإن السنوات الأربع الماضية من عمر المجلس الحالي لم تكن الأزمة المالية فيها، في يوم من الأيام، خبراً متداولاً كما كان الحال في المجالس السابقة، ولدينا مؤشرات كثيرة يمكن بها قياس صحة هذه المعلومة، وتأكيد أن الأمور لم تخرج قط من تحت سيطرة الإدارة الهلالية.
الهلال، وبكل صراحة، يحتاج الآن ـ لإكمال حلقات النجاح ـ إلى زيادة الرصيد الإداري، الذي يعزز فرص النجاح إلى جانب توفر المكون المالي. ويجب ألا يكون تعريف «الرصيد الإداري» في الهلال مجرد تسمية أسماء بعينها، بقدر ما يكون الحديث والنقاش حول «التجارب» الإدارية، ويا حبذا لو كانت تجارب حقيقية خارج الوسط الرياضي، لأن المقام الإداري في الرياضة السودانية، على مستوى الأندية والاتحادات، ظل متواضعاً ولا يعبر عن تراكم معرفي أو علمي حقيقي في الإدارة.
ويبدو أن كثيرين ممن خاضوا التجربة في الهلال فهموا مفهوم «أهلية» العمل الرياضي بصورة خاطئة، إلى درجة جعلت نشاطهم أقرب إلى نمط «العمودية» و«النفير» و«الخمج»، وهو نمط يثير الدهشة في زمن تتسارع فيه خطوات العالم في علم الإدارة الحديثة.
علينا أن نعترف بأننا، وعلى بعد خطوات من الانتخابات، نعاني «أنيميا» إدارية حادة، وأن الناظر إلى بعض البدائل المطروحة سيقف على حقيقة مؤكدة، وهي أن ما يحدث للهلال هو نتاج فقر عام في الرصيد الإداري. وليس من السهل في الهلال أن تكتب قائمة تضم تسع شخصيات تشكل مجلساً منسجماً ومتجانساً، كما يصعب إجراء مفاضلة حقيقية بين المترشحين بسبب التشابه الكبير في التجارب والرصيد الإداري.
الهلال في الانتخابات القادمة يحتاج إلى «دم» إداري جديد، و«بلازما» إدارية مختلفة عن القديمة في كل شيء. بديل يحدث فرقاً حقيقياً وينقل الهلال من الرتابة الإدارية إلى تجربة فاعلة تستفيد من الوزن المالي الكبير المتوفر للنادي، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد.
وما يحتاجه الهلال لا يختلف كثيراً عن الحالة السودانية عموماً، حيث نظل نتحدث عن بلد غني بالموارد، لكنه يعاني سوء إدارة هذه الموارد.
وحتى لا يُفهم الحديث بصورة خاطئة، فالمقصود ليس الطعن في مقدرات من مروا بمجلس الهلال، ولا الدعوة للذهاب إلى الجامعات ومراكز الإدارة بحثاً عن حملة الشهادات فقط، فهؤلاء أيضاً لم ينجحوا في إدارة البلد. نحن نبحث عن «نمط» مختلف من الإداريين، لديهم حصانة من أمراض الإدارة الرياضية المستوطنة في الهلال، وفي مقدمتها الجهل بقيمة إضافة الفرد للمجموعة.
ومن الممكن جداً أن تتضاعف قيمة صاحب المال إذا جاء مستوعباً أنه في الهلال ليس مجرد «خزنة» أو صراف آلي، بل إن المال مجرد أداة ضمن منظومة متكاملة لتحقيق الأهداف.
نحتاج إلى تعلم كيفية بناء «منظومة» عمل تضم أكثر من «ترس» يدفع نحو النجاح، لأن الطريق إلى النجاح لا يعرف شيئاً اسمه الصدفة. وعلينا أن ندرس واقعنا بصدق وشفافية، فالأحلام غير القابلة للتحقق تتحول في النهاية إلى «كابوس».
في انتخابات الهلال القادمة نريد «خطة عمل»، لا مجرد تصريحات صحفية أو كلام هتافي. نريد الثقة في الأرقام والخطوات المكتوبة والقابلة للقياس، والابتعاد عن أساليب «التطبيل» و«الشتيمة» الصحفية، لأنها وسائل انطباعية رخيصة لا تقود إلى النجاح الحقيقي.
الأمانة والأخلاق تقتضيان أن يقوم أعضاء المجلس الحالي أو المترشحون الجدد بعمل «Interview» أمام الرأي العام الهلالي، يشرحون فيه ماذا قدموا للهلال، وماذا سيقدمون، بأشياء قابلة للقياس، وكيف يمكن أن يخدموا العمل الجماعي داخل النادي.
محتاجون في الهلال إلى العقل «الناقد» القادر على فضح الأكاذيب الإدارية والشخصيات التي بنت مجدها بالمجان، عبر قصص وروايات لا تصلح إلا للحكايات قبل النوم.
نحتاج إلى مواجهة الحقائق التي تقول إن الرصيد الإداري في الهلال لم يكن يوماً كافياً لتحقيق الأحلام والطموحات، ولذلك ظللنا نقبل بأعذار الفاشلين ونعلق الإخفاقات على شماعات الظروف والتحكيم وفساد الاتحاد الإفريقي والمعارضين و«درهم الحظ».
وفي الانتخابات الهلالية، علينا الاعتراف بأن صوت «الجهل» الإداري والإعلامي والجماهيري ظل الأعلى، لأننا لم نجتهد في إصلاح حقيقي يحرك الساكن الإداري في الهلال، وظللنا نقبل بالقليل الإداري وبالحد الأدنى من حملة شهادة «النفخة الكضابة» وماجستير الأمراض الإدارية المستوطنة.
نحتاج، حقيقة، إلى مُعد نفسي أكثر من حاجة لاعبي الهلال، ليضبط بوصلة الانفعالات الإدارية والأمراض المنقولة وراثياً، مثل الانتصار للذات والغيرة وعدم احترام الآخرين.
نريد مترشحاً يعرف حدود مقدراته بلا زيادة أو نقصان، يقبل النقد ويوظفه لصالح الفائدة العامة، ومستوعباً أن العمل في الهلال عمل عام وليس مشروعاً خاصاً يحتكره ويبيع ويشتري فيه، وأن «بطانة» السوء هي بذرة الفشل الإداري.
نريد إداريين لا تهزهم مقالات مدفوعة الثمن أو لقطات مصنوعة في الصحف، ومستوعبين لدور الإعلام والجماهير، وقادرين على رسم الحدود بين هذه المكونات دون «خلط» أو «دغمسة» أقعدت كثيراً من التجارب الإدارية السابقة.
كما نريد شخصيات قادرة على إدارة «الخلاف» بعقل مفتوح، وتحويله إلى طاقة إيجابية تخدم الهلال بدلاً من أن تكون سبباً للفرقة والشتات.
في انتخابات الهلال القادمة نحن لا نطلب المستحيل، بل نطلب الممكن إدارياً، وأن نترك «الكسل» في البحث عن بدائل حقيقية، لأنها موجودة داخل الهلال بقليل من الصبر والتأني.
نحتاج إلى «غربال» إداري ناعم، نقدم به نموذجاً مختلفاً هذه المرة في الإدارة الهلالية، يستفيد من أخطاء الماضي الكثيرة، وينتج مجلس إدارة ينقل الهلال من «زقاق» الليق الإداري إلى فضاء علم الإدارة الرشيدة.









