صوت عبر الأجيال وبقي في الوجدان
من أبوقرون وأم دوم إلى سماء الفن
مسيرة جمعت الطرب والتمثيل وصناعة الألحان
أغنيات خالدة صنعت وجدان أجيال متعاقبة
مدرسة فنية جمعت الأصالة وجمال الكلمة
صوت السودان الذي لم يعرف الغياب
عبد المنعم هلال ـ آكشن سبورت
ـ في كل مرة بتمر ذكرى رحيل صلاح بن البادية بنكتشف إنو بعض الفنانين ما بموتوا بموت أجسادهم لأن صوتهم بفضل عايش وأغنياتهم بتواصل السفر من جيل لجيل.
في السادس عشر من سبتمبر 2019 رحل في العاصمة الأردنية عمّان الفنان السوداني الكبير صلاح بن البادية عن عمر ناهز 82 عاماً بعد مسيرة فنية امتدت قرابة ستة عقود ترك خلالها واحدة من البصمات المميزة في تاريخ الغناء السوداني.
مدائح وأناشيد
ـ اسمه الحقيقي صالح الجيلي محمد أبو قرون ولد عام 1937 ونشأ بين أم دوم وأبوقرون في بيئة دينية وصوفية كان ليها أثر كبير في تكوين شخصيته وذائقته الفنية.
نشأ وسط الخلاوي والقرآن والمدائح والأناشيد الصوفية وده ما كان مجرد جزء من طفولته بل انعكس بصورة واضحة على طريقته في اختيار الكلمة واللحن والأداء
ومن هنا ممكن نفهم السر في إنو صلاح بن البادية كان مختلفاً في تعامله مع الكلمة كان بيبحث عن النص الجميل، وبيتعامل مع اللغة باحترام وبيحاول يديها اللحن المناسب والصوت القادر على إبراز جمالها.
واصل تعليمه بالمراسلة عبر معهد الجامعة الشعبية المصرية ثم انتظم في دراسات مسائية بالخرطوم لكن الفن كان هو الطريق الذي وجد فيه نفسه.
الخوف من الأسرة
ـ بداية صلاح بن البادية الفنية كانت وسط تردد طبيعي خاصة أن أسرته كانت ذات إرث ديني وصوفي ولم يكن دخول عالم الغناء أمراً سهلاً.
لكن التشجيع الذي وجده من الصحفيين محجوب عثمان ومحجوب محمد صالح ساعده على الخروج إلى الجمهور.
وفي عام 1959 ظهر على خشبة المسرح القومي بأم درمان وغنى أعمالاً منها (الأوصفوك) و(غنيت للستات و(الليلة سار يا عشايا) و(خاتمي العاجب البنوت) وكانت الحفلة منقولة عبر الإذاعة وهناك سمع والده صوت ابنه الأمر الذي دفعه لاختيار اسم فني هو صلاح بن البادية الاسم الذي أصبح بعد ذلك علامة فنية معروفة في السودان خشية من عقاب والده.
لحن وكلمة
ـ صلاح بن البادية ما كان مجرد مطرب بيغني ألحان الآخرين كان مطرباً وملحناً وامتلك قدرة واضحة على صناعة الجملة اللحنية.
واللافت في تجربته أنه كان أحياناً يؤلف اللحن ويحفظه في ذاكرته ثم ينقله للعازفين رغم عدم اعتماده في بداياته على العزف على آلة موسيقية وده جانب مهم من عبقريته لأنو اللحن عنده ما كان مجرد نغم وإنما إحساس كامل بالنص.
ومن أشهر أعماله (الجرح الأبيض) و(كلمة) و(حسنك أمر) و(صدفة غريبة) و(فات الأوان) و(عايز أكون) و(أسير الغرام) و(دموع الشوق) و(طبع الزمن) و(رحلة عيون) و(حب الأديم) و(أول حب) بجانب الأعمال الوطنية والصوفية والمدائح النبوية ورصيده المسجل تجاوز 117 أغنية.
شعراء كبار
ـ واحدة من أهم ملامح تجربة ابن البادية كانت علاقته بالشعراء.
تعاون مع أسماء بارزة من بينها محمد يوسف موسى والصادق إلياس وأبو آمنة حامد ومحجوب سراج وعبد الله النجيب ومبارك المغربي ومختار دفع الله وعبد اللطيف خضر وغيرهم وفي حوار صحفي ذكر بنفسه أسماء محمد يوسف موسى والصادق إلياس وأبو آمنة حامد وعبد اللطيف خضر ضمن الشعراء الذين تعامل معهم.
مع محمد يوسف موسى جاءت أعمال خالدة مثل (كلمة) و(حسنك أمر) و(صدفة غريبة) وغيرها. وفي (كلمة) وحدها بتظهر حساسية النص العاطفي ومن أشهر مقاطعها (وتخاصمني عشان بس كلمة).
ومع أبو آمنة حامد جاءت واحدة من أشهر أغنياته على الإطلاق (سال من شعرها الذهب) وهي من الأعمال التي تجاوزت حدود الأغنية السودانية إلى الذاكرة العربية
كما غنى بالفصحى وقدم أعمالاً مثل (مي) للشاعر الهادي العمرابي و(ليلة السبت) وهو ما يؤكد اهتمامه بالنص الشعري الرفيع وليس فقط الأغنية العامية.
ابن البادية ما كان بخيل على زملائه..
ـ المحبة الفنية عند صلاح بن البادية ما وقفت عند أغنياته كان عنده حضور كملحن لزملائه الفنانين ومن الأسماء التي ارتبطت بألحانه حمد الريح والأمين عبدالغفار ومحمد وردي كما نُسبت إليه ألحان قدمها لفنانين آخرين مثل (طير الرهو) لحمد الريح وأعمال للأمين عبدالغفار.
وده بيأكد إنو الرجل كان جزءاً من صناعة الأغنية السودانية وليس مجرد صوت جميل أمام الميكروفون.
المسرح والسينما..
ـ صلاح بن البادية كان عنده شغف واضح بالتمثيل
بدأ مسرحياً مع الفنانة نعمات حماد في مسرحية (من أجل التاج)!ثم شارك في (تاجوج) وانتقل بعد ذلك إلى السينما فشارك في الفيلم التسجيلي (مصر) لتلفزيون السودان عام 1965 ثم شارك في فيلم (تاجوج( للمخرج جاد الله جبارة.
لكن تجربته السينمائية الأشهر كانت (رحلة عيون) الذي شارك في إنتاجه وبطولته إلى جانب سمية الألفي ومحمود المليجي وأخرجه أنور هاشم وبلغ إصراره على التجربة أن ذكر في حوار سابق أنه باع قطعة أرض للمساهمة في إنجاز الفيلم.
فنان الوطن..
ـ الغناء عند ابن البادية ما كان كله حب وغرام غنى للوطن وللسودان وللناس وشارك في مناسبات عامة عديدة وظلت أغنياته الوطنية جزءاً من ذاكرة السودانيين.
ومن المفارقات المؤثرة أن آخر ظهور فني بارز له كان قبل رحيله بأسابيع قليلة عندما شارك في احتفال توقيع الاتفاق بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير في 17 أغسطس 2019 وغنى أمام الجمهور في مناسبة سياسية ووطنية كبيرة.
وبعد أقل من شهر كان السودان يودع ذلك الصوت.
الرحيل المر
ـ رحل صلاح بن البادية في العاصمة الأردنية عمّان في سبتمبر 2019 بعد رحلة علاج لكن رحيله ما كان نهاية حكايته لأن الفنان الحقيقي ما بنقيس عمره بعدد السنين التي عاشها وإنما بعدد المرات التي تعود فيها أغنياته إلى الناس.
وصلاح بن البادية ترك أكثر من مجرد تسجيلات ترك مدرسة في احترام الكلمة وجمال اللحن ونظافة الأداء والقدرة على الجمع بين التراث الصوفي والأغنية العاطفية والوطنية والفصحى.
عشان كده كلما مرت أغنية من أغنياته في الراديو أو رددها زول في مناسبة أو سمعها جيل جديد لأول مرة بنكتشف إنو صلاح بن البادية ما غاب تماماً الغائب هو الجسد أما الصوت فما زال بيننا.
رحم الله صلاح بن البادية الرجل الذي غنّى للسودان بصوت يشبه السودان ومضى تاركاً لنا أغنيات لا تعرف طريقاً إلى النسيان.















