على حافة الضوء
د. عمار برهان
عِندَمَا يَدخُلُ القَارِئُ إِلَى الأَدَبِ السُّودَانِيِّ، يَدخُلُ إِلَى بَيتٍ قَدِيمٍ، مَبنِيٍّ مِن طِينِ الأَرضِ وَذَاكِرَةِ النَّاسِ، سَقفُهُ النِّيلُ، وَجُدرَانُهُ أَغَانِي الرُّعَاةِ، وَنَوَافِذُهُ مَفتُوحَةٌ عَلَى صَحرَاءَ تَفهَمُ الصَّمتَ وَالخُطُوَاتِ، خَرَجَ هَذَا الأَدَبُ مِن بُطُونِ المُدُنِ، وَمِن تَعَبِ المُزَارِعِ، وَحِكمَةِ الخَلوَةِ، وَصَوتِ المَآذِنِ، وَحَرَكَةِ القَبَائِلِ وَهِيَ تَبحَثُ عَن وَطَنٍ يَجمَعُ العَرَبِيَّةَ وَالأَفرِيقِيَّةَ، وَيَخلِطُ فِي رُوحِهِ النِّيلَ وَالرَّملَ وَالمَطَرَ. لِذَلِكَ جَاءَ صَوتُهُ عَمِيقًا، يُحَوِّلُ الأَلَمَ إِلَى فِكرَةٍ، وَالوَحدَةَ إِلَى أُغنِيَةٍ، وَالذَّاكِرَةَ إِلَى ضَوءٍ يَقرُبُ مِنَ الشَّبَابِ وَيُشبِهُ أَسئِلَتَهُم.
مُنذُ بِدَايَاتِ المَدَائِحِ الصُّوفِيَّةِ وَالحِكَايَاتِ الشَّعبِيَّةِ وَسِيَرِ الأَولِيَاءِ وَمَلَاحِمِ الكِفَاحِ، كَانَ الكَلَامُ فِي السُّودَانِ جِسراً بَينَ الأَرضِ وَالسَّمَاءِ، وَطَرِيقَةً لِمُوَاجَهَةِ الخَوفِ وَحِفظًا لِلأَيَّامِ،فِي حَلَقَاتِ الذِّكرِ وَأَسوَاقِ البَادِيَةِ وَمَجَالِسِ القُرَى، تَكَوَّنَ إِحسَاسٌ فَنِّيٌّ يَرَى العَالَمَ مَلِيئًا بِالإِشَارَاتِ، وَيَتَعَامَلُ مَعَ الطَّبِيعَةِ كَكَائِنٍ حَيٍّ يَتَكَلَّمُ وَيَتَفَاعَل، وَمَعَ النَّهضَةِ الحَدِيثَةِ ظَهَرَتِ الصَّحَافَةُ وَانتَشَرَتِ المَدَارِسُ، وَتَوَاصَلَ الوَعيُ المَحَلِّيُّ مَعَ المَشرِقِ وَالعَالَمِ، فَرَسَمَ الشُّعَرَاءُ وَالكُتَّابُ شَخصِيَّةً جَدِيدَةً، دَعَا حَمزَةُ المَلِكِ طَمبَلُ إِلَى أَدَبٍ هو ابنِ بِيئَتِهِ، وَأَضَاءَ التِّجَانِيُّ يُوسُفُ بَشِيرٌ القَصِيدَةَ بِتَوَتُّرٍ رُوحِيٍّ، وَتَرَكَ إِدرِيسُ جَمَّاعٌ أَبيَاتًا تَسكُنُ وِجدَانَ العَاشِقِينَ، وَجَمَعَ مُحَمَّدُ المَهدِيُّ المَجذُوبُ بَينَ رِقَّةِ المُتَصَوِّفِ وَقُوَّةِ الأَرضِ، فَجَاءَت قَصِيدَتُهُ مَشدُودَةً إِلَى الغَيبِ وَمَغرُوسَةً فِي الطِّينِ، وَمَنَحَ مُحَمَّدٌ عَبدُ الحَيِّ الخَيَالَ السُّودَانِيَّ أُفُقاً عِندَمَا جَعَلَ سِنَّارَ رَمزاً لِامتِزَاجِ الثَّقَافَاتِ وَالهُوِيَّةِ، وَبَرَزَ صَلَاحُ أَحمَدَ إِبرَاهِيمَ ثَائِراً جَعَلَ القَصِيدَةَ رَايَةً لِلكَرَامَةِ، وَوَسَّعَ مُحَمَّدٌ مِفتَاحُ الفَيتُورِيُّ العِبَارَةَ السُّودَانِيَّةَ حَتَّى صَارَت صَرخَةً أَفرِيقِيَّةً ضِدَّ القَيدِ.
أَمَّا النَّثرُ والأَدَبُ الروَائِيّ فَيَفتَحُ بَابَهُ عَلَى الطَّيِّب صَالِح الَّذِي جَعَلَ القَريَةَ السُّودَانِيَّةَ مَكَانًا لِسُؤَالٍ إِنسَانِيٍّ عَنِ الهُوِيَّةِ وَاللِّقَاءِ الصَّعبِ بَينَ الشَّرقِ وَالغَربِ، فِي مَوسِمِ الهِجرَةِ إِلَى الشَّمَالِ تَعبُرُ مَعَ مُصطَفَى سَعِيدٍ ذَاكِرَةُ الاستِعمَارِ وَرَغبَةُ الانتِقَامِ وَمِرآةُ العَالَمِ المُزدَوِجِ، وَيَكتَمِلُ المَشهَدُ مَعَ الدُكتُور عَبدِ اللَّه الطَّيِّب، العَالِمِ وَالشَّاعِرِ الَّذِي أَعَادَ لِلُّغَةِ وَقَارَهَا، وَفَتَحَ لِلدِّرَاسَةِ الأَدَبِيَّةِ أَبوَاباً وَاسِعَةً.
وَظَهَرَت أَصوَاتٌ نِسَائِيَّةٌ مِثل مَلَكَةُ الدَّارِ مُحَمَّدٌ الَّتي كَتَبَت عَنِ المَرأَةِ وَالمُجتَمَعِ، وَبُثَينَةُ خَضِرٍ مَكِّيٌّ وَلَيلَى أَبُو العُلَا وَاسِتِيلَّا قَايِتَانُو اللَّائِي جَعَلنَ الهِجرَةَ وَالمَدِينَةَ وَالحَربَ وَالحَنِينَ وَالمَنفَى أَسئِلَةً، وَتَحضُرُ العَامِّيَّةُ السُّودَانِيَّةُ كَعُودٍ أَخضَرَ تُجَاوِرُ الفُصحَى وَتَمنَحُهَا نَبضَ الشَّارِعِ وَدِفءَ الحَوشِ وَرَائِحَةَ المَطَرِ الأَوَّلِ، وَفِي أَغَانِي الحَقِيبَةِ وَأَشعَارِ الحَردَلُّو وَالعَبَّاسِيِّ، وَأَنَاشِيدِ مَحجُوبِ شَرِيفٍ، تَصِيرُ اللَّهجَةُ قِيمَةً جَمَالِيَّةً وَفَلسَفَةً.
وَفِي العُقُودِ الأَحدَثِ، اتَّسَعَ السَّردُ مَعَ أَمِير تَاجِ السِّرّ، وَحَمُّور زِيَادَة، وَصَارَ فِعلاً أَخلَاقِيَّاً يَستَمِعُ لِلمَقمُوعِ وَيَحمِي الإِنسَانَ مِن أَن يَصِيرَ رَقَماً في التَّقَارِيرِ الإخبَارِيَّةِ، إِنَّ خُصُوصِيَّةَ الأَدَب السُّودَانِيّ تّكمُنُ فِي كَونِهِ أَدَبَ حُدُودٍ بَينَ العَرَبِيَّةِ وَالأَفرِيقِيَّةِ، وَالقَريَةِ وَالمَدِينَةِ، وَالمَنفَى وَالعَودَةِ، هُوَ ذَاكِرَةُ شَعبٍ يُقَاوِمُ الفَنَاءَ بِالكَلِمَةِ، وَنَخلَةٌ عَلَى ضَفَّةِ الرُّوحِ، جُذُورُهَا فِي طِينِ التَّجرِبَةِ، وَثِمَارُهَا لِمَن يُؤمِنُ أَنَّ الكَلِمَةَ حِينَ تَصدُقُ تَصِيرُ وَطَناً.












