خبرات الداخل والمهجر تلتقي في الدوحة لرسم خارطة النهوض باللعبة





من الإرث الكبير إلى مشروع كروي حديث
الكفاءات السودانية تضع خارطة الطريق
المهجر يمد جسور الخبرة للكرة السودانية
مازن أبو سن يقود حراك المستقبل الكروي
العودة إلى القمة تبدأ بالعمل المؤسسي
بقلم : أبوبكر مصطفى
مسؤول تراخيص الأندية – شركة نادي الخلود، المملكة العربية السعودية
تحولت الدوحة، في الخامس عشر من أغسطس الماضي إلى ملتقى للخبرات والأفكار السودانية الباحثة عن طريق يعيد لكرة القدم في البلاد مكانتها، عندما احتضن معهد الدوحة للدراسات الاستراتيجية بدولة قطر منتدى «مستقبل كرة القدم – نحو رؤية مشتركة لمستقبل يليق بطموحاتنا»، بمشاركة نخبة من المهتمين بالشأن الرياضي وكرة القدم السودانية.
وجاء المنتدى انطلاقاً من قناعة بأن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية مختلفة، وتكاتفاً حقيقياً، واستثماراً واعياً في الخبرات والكفاءات، من أجل إعادة بناء كرة القدم السودانية على أسس أكثر استقراراً واحترافية.
ولم يكن المنتدى مجرد لقاء رياضي عابر، بل عكس وجود إرادة لدى المشاركين للجلوس معاً ومناقشة واقع اللعبة، واستشراف مستقبلها، والبحث عن أفكار ومشروعات عملية يمكن أن تسهم في تصحيح المسار.
حضور نوعي
تميز المنتدى بحضور رياضي متنوع، بمشاركة ممثلين عن سفارة جمهورية السودان لدى دولة قطر، إلى جانب نخبة من رابطة قدامى اللاعبين القطريين، والنجم وكابتن المنتخب القطري عبدالعزيز حاتم، بالإضافة إلى الجهاز الفني لنادي السيلية القطري بقيادة المدرب ميرغني الزين.
وبرز حضور المدربين وقدامى اللاعبين السودانيين المقيمين في قطر، الذين عكست مشاركتهم حجم الاهتمام والرغبة في تسخير خبراتهم وتجاربهم لخدمة كرة القدم السودانية.
إرث كبير
لا يمكن الحديث عن مستقبل كرة القدم السودانية بمعزل عن تاريخ السودان في القارة الأفريقية والمنطقة العربية وشرق ووسط أفريقيا.
فالسودان من الدول المؤسسة للاتحاد الأفريقي لكرة القدم «كاف»، كما كان له حضور في تأسيس الاتحاد العربي لكرة القدم، إلى جانب دوره التاريخي في منطقة سيكافا.
ولم يقتصر ذلك على الحضور الإداري، إذ ظلت المنتخبات السودانية حاضرة في المحافل القارية والإقليمية، كما شاركت الأندية السودانية، وفي مقدمتها أندية القمة، في البطولات الأفريقية والعربية، وتركت بصمتها في تاريخ المنافسات.
ومن هنا، فإن استعادة مكانة الكرة السودانية ليست حلماً بعيداً، وإنما استعادة لإرث حقيقي يحتاج إلى مشروع مؤسسي واضح، وإدارة حديثة، وتخطيط طويل المدى، واستثمار في الإنسان والبنية التحتية والناشئين والمدربين والإدارة الرياضية.
صناعة متكاملة
تكمن أهمية منتدى «مستقبل كرة القدم» في فتحه الباب أمام الحوار الجماعي، بعيداً عن الفردية والانقسامات، ووضع المصلحة العامة للكرة السودانية فوق الاعتبارات الأخرى.
فكرة القدم الحديثة لم تعد تعتمد على الموهبة وحدها، وإنما أصبحت صناعة متكاملة تقوم على التخطيط والحوكمة والتراخيص والاستثمار وتطوير المواهب والعلوم الرياضية والتحليل الفني والتسويق والإدارة الاحترافية والبنية التحتية.
لذلك، يمكن لمثل هذه المبادرات أن تمثل نقطة انطلاق نحو صياغة رؤية سودانية مشتركة لا تكتفي بتشخيص المشكلات، بل تنتقل إلى تقديم الحلول والمشروعات القابلة للتنفيذ والاستفادة من الكفاءات السودانية المنتشرة حول العالم.
ثروة المهجر
يمثل السودانيون في المهجر ثروة حقيقية بما يمتلكونه من خبرات وتجارب، وتقدم قطر نموذجاً مهماً لذلك، إذ تضم عدداً من المدربين واللاعبين والإداريين والخبراء السودانيين القادرين على الإسهام بفاعلية في عملية التطوير.
ويمكن أن يشكل جمع هذه الخبرات وربطها بالداخل خطوة مهمة نحو بناء مشروع يستفيد من المعرفة والتجارب التي اكتسبها السودانيون في المؤسسات والأندية الرياضية خارج البلاد.
مسؤولية الجميع
إعادة بناء كرة القدم السودانية ليست مسؤولية الاتحاد أو الأندية وحدها، كما أنها ليست مسؤولية جيل بعينه، وإنما مسؤولية مشتركة تضم الاتحاد والأندية والمدربين واللاعبين وقدامى اللاعبين والإداريين ورجال الأعمال والإعلاميين والرياضيين في الداخل والمهجر، تحت مظلة واحدة عنوانها مصلحة كرة القدم السودانية.
والمرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الحديث عن المشكلات إلى إنتاج الحلول والمشروعات، ومن ردود الأفعال إلى التخطيط الاستراتيجي، ومن العمل الفردي إلى العمل المؤسسي.
والسودان لا يبدأ من الصفر؛ فلديه تاريخ ومواهب وأندية ذات إرث كبير، ومدربون ولاعبون وإداريون يمتلكون خبرات واسعة، إلى جانب جمهور شغوف بكرة القدم.
والمطلوب جمع هذه العناصر تحت رؤية واحدة، وتحويلها إلى مشروع مستدام يعيد للكرة السودانية حضورها ومكانتها ويدفع بها نحو مستقبل أفضل.
شكراً قطر
كل الشكر والتقدير لدولة قطر التي احتضنت هذا الحدث، ووفرت البيئة التي أتاحت لأبناء السودان والمهتمين بالرياضة السودانية الالتقاء وتبادل الأفكار والخبرات.
والشكر موصول إلى المنظمين والمشاركين والحضور، وإلى كل من آمن بأن كرة القدم يمكن أن تكون جسراً للتواصل والوحدة والعمل المشترك.
قائد الحراك
ويستحق المهندس مازن أبو سن، قائد هذا الحراك، الشكر والتقدير على جهده وروحه الوطنية وحرصه على جمع مختلف الأطياف والخبرات تحت راية واحدة عنوانها مستقبل كرة القدم في السودان.
وما قام به يمثل نموذجاً للعمل من أجل المصلحة العامة بعيداً عن الحسابات الشخصية، وإيماناً بأن المرحلة الحالية تحتاج إلى من يبادر ويجمع ويوحد الجهود.
بداية الطريق
ينبغي ألا يكون منتدى «مستقبل كرة القدم» محطة تنتهي بانتهاء جلساته، بل بداية لمسار مستمر تتحول خلاله الأفكار إلى مبادرات، والمبادرات إلى مشروعات، والمشروعات إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
كرة القدم السودانية تستحق أن تستعيد مكانتها، والسودان الذي كان حاضراً في تأسيس المؤسسات الرياضية القارية والعربية والإقليمية، وصنعت أنديته ومنتخباته تاريخاً كبيراً، قادر على العودة بقوة متى ما توافرت الإرادة والرؤية والعمل المؤسسي والتكاتف.
المستقبل لا يُنتظر.. بل يُبنى.
فلنبنِ معاً مستقبلاً يليق بتاريخ كرة القدم السودانية وطموحات أجيالها القادمة.













