على حافة الضوء
د.عمار برهان
أَحيَاناً، تَلتَصِقُ الأَفكَارُ السَّيِّئَةُ بِعَقلِهِ المُنهَك كَمَا يَلتَصِقُ الذُّبَابُ اللَّعِينُ بِالجِدَارِ الرَّطبِ، اِلتِقَاؤُهُ الدَّائِمُ بِاليَأسِ فِي طُُرُقَاتِ حَيَاتِهِ يُقَلِّلُ مِن فُرَصِهِ المُحتَمَلَةِ فِي النَّجَاةِ، وَيَقُودُهُ مُرغَماً عَلَى الحَوَافِّ الحَادَّةِ لِقَضَايَاهُ المَصِيرِيَّةِ دُونَ أَن يَعبُرَ بأمانٍ لِيَصِلَ إِلَى جَوهَرِهَا البَعِيد، يَستَثمِرُ اللَّيلَ كَفُرصَةٍ ثَمِينَةٍ مُقتَنَصَةٍ لِلتَّأَمُّلِ، بَينَمَا تَهُبُّ العَاصِفَةُ الهَوجَاءُ عَلَى المَدِينَةِ، الرِّيحُ تَعوِي فِي الخَارِجِ لِتَهتَزَّ الأَبوَابُ المُغلَقَةُ بِعُنفٍ، وَهُوَ مُستَلقٍ عَلَى أَطرَافِ ذِكرَيَاتِهِ تَفصِلُهُ الغُصَّةُ عَنِ اجتِرَاعِ مَا بَقِيَ مِنَ المَرَارَةِ، يُعَاتِبُ الحَيَاةَ عَلَى فِعَالِهَا الفَوضَوِيَّةِ وَيَفتَرِضُ عَدَمَ أَحَقِّيَّتِهَا فِي نَسخِ أَو تَكرَارِ الحَكَايَا كَمَا هِيَ فَلَا أَحَدَ يُشَابِهُ الآخَرَ إِلَى دَرَجَةِ التَّطَابُقِ..
كَانَ يَظُنُّ أَنَّ الحُبَّ كَقِيمَةٍ أَكثَرُ ثَبَاتاً مِنَ الكَرَاهِيَةِ، لَكِنَّهُ مَفقُودٌ مُذ غَادَرَ هَذِهِ الأَزمِنَةَ المَأزُومَةِ وَمَا سِوَاهُ يَعبَثُ بِالتَّفَاصِيلِ الصَّغِيرَةِ عَلَى نَحوٍ عَبَثيٍّ، يُحَاوِلُ النَّفَاذَ مِن خِلَالِ ثُقبٍ صَغِيرٍ فِي جِدَارِ ذَاكِرَةٍ مُتَحَجِّرَةٍ، تُسَيطِرُ عَلَى دَوَاخِلِهِ صُورَةُ تِلكَ الأَرمَلَةِ الوَحِيدَةِ الَّتِي تَغزِلُ أَسَفَهَا ويَأسَهَا إِلَى جَدَائِلَ مِنَ الصَّمتِ، ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ اِنقَضَت مُنذُ مَجِيءِ (العِيدِ) وَلَم يَطرُق أَحَدٌ بَابَهَا لِمُجَرَّدِ التَّهنِئَةِ أَو حَتَّى لِتَفَقُّدِ الأَحوَالِ، أَطفَالُهَا ضَمَّهُمُ البُؤسُ إِلَى أَحضَانِهِ وَارتَحَلَ، وَهِيَ قَد سَكَبَت زَمَانَهَا أَدمُعاً حَارَّةً، إِلَامَ تَنتَظِرُ الغَدَ الَّذِي لَا يَأتِي لِيُدَاوِيَ جِرَاحَهَا؟ شَاخَتِ المَسَاءَاتُ الحَزِينَةُ وَهِيَ تُنصِتُ لِلمُغَنِّي:
(لِمتِين وَرَاكَ سَفَر الشَّقَا قُولِّي مَتِين لِمتِين يَكُون.. كَأَنِّي مَديُون لِلعَذَاب.. أَدفَعُ سِنِينَ مِن عُمرِي دَين.)، لَا شَيءَ يَغسِلُ الرُّوحَ كَمَا السَّمَاءُ الَّتِي تُمطِرُ وَفِي خَرِيفِ العُمرِ تَأفُلُ الشَّمسُ وَتَنشُرُ السُّحُبُ ظِلَالَهَا، وَهِيَ سَتَقضِي فِي الظِّلِّ مَا بَقِيَ مِن حَيَاتِهَا فَهُوَ مَوطِنُهَا الأَصلِيُّ الخَالِي مِن خَطَايَا الشَّكِّ الَّذِي لَا يَرحَمُ..
حِينَمَا عَادَ مِنِ اختِفَائِهِ لَم يَكُن يَرغَبُ إِلَّا فِي إِفرَاغِ رَأسِهِ مِنَ الأَوهَامِ لِتَخشَعَ هَذِهِ القُشَعرِيرَةُ وَلَو إلَى حِينٍ، كَانَتِ الحَكَايَا الغَرِيبَةُ فِي غِيَابِهِ قَد تَكَاثَرَت وَمَلَأَت بُطُونَ الشَّوَارِعِ حَتَّى انتَفَخَت، وَسَرَتِ الشَّائِعَاتُ مُهَروِلةً عَلَى الأَلسُنِ، مِنهُم مَن قَالَ بِأَنَّهُ قَدِ اختُطِفَ وَمِنهُم مَن قَالَ بِأَنَّهُ قَد قُتِلَ، لَكِنَّ الَّذِي حَدَثَ هُوَ أَنَّهُ قَد أَنهَى خُصُومَتَهُ مَعَ هَذَا الزَّمَانِ البَخسِ وَعَادَ مُكرَهَاً لِيُقَلِّبَ دَفَاتِرَهُ القَدِيمَةَ، الآنَ سَيَضَعُ حَدَّاً لِلأَقَاوِيلِ الكَاذِبَةِ، فَهوَ لَا يَزَالُ عَلَى قَيدِ الحَيَاةِ وَبِمَقدُورِهِ مَدُّ يَدَيهِ وَتَحرِيكُ ذِرَاعَيهِ، بِإِمكَانِهِ الآنَ تَذَكُّرُ (العَلَمِ) الوَطَنِيَّ رَمز البِلَادِ وَهُوَ يَخفِقُ بِجَنَاحَيهِ أَعلَى سَارِيَةِ القَصرِ الجُمهُوريّ، بِاستِطَاعَتِهِ تَفسِيرُ أَلوَانِهِ كُلِّهَا وَشَرحُ دَلَالَاتِهَا عَدَا ذَلِكَ الشَّرِيطَ الأَسوَدَ عَلَى طَرَفِهِ السُّفلِيِّ لَا يَجِدُ لَهُ تَفسِيراً وَيَعتَبِرُهُ دَخِيلَاً وَقَبِيحَاً جِدَّاً، فَهُوَ يَبدُو كَالاِحتِرَاقِ تَمَامَاً وَلَكِن بِلَا دُخَانٍ..
عَلَى مَقرُبَةٍ مِنَ المَكَانِ كَانَ بَعضُ فُقَرَاءِ الحَيِّ، يَقتَضُونَ اِحتِيَاجَاتِهِم الضَّرُورِيَّةِ بِالنُّقُودِ القَلِيلَةِ الَّتِي يَملِكُونَهَا وَلَا تَملِكُهُم، ثِيَابُهُم مُهتَرِئَةٌ وَلَكِنَّهَا نَظِيفَةٌ، بَينَ أَضلُعِهِم يَنبِضُ الأَلَمُ وَتَتَصَدَّقُ رِئَاتُهُم بِالأَنِينِ لَكِنَّ هَامَاتِهِم مَرفُوعَةٌ، لَم تَتَقَوَّس بِفِعلِ الشُّحِّ الَّذِي يَجُودُ بِهِ القَدَرُ، بَينَمَا يُحَاوِلُ التَّاجِرُ إِظهَارَ تِجَارَتِهِ عَلَى أَنَّهَا غَيرُ مُربِحَةٍ، رَغمَ أَنَّهَا تُدِرُّ عَلَيهِ أَموَالَاً طَائِلَةً، وَبِأَقَلِّ قَدرٍ مِنِ احتِرَامِهِ لِذَاتِهِ يَنحَنِي كَمَن يَشرَعُ فِي الرُّكُوعِ ثُمَّ يُقسِمُ بِالَّذِي خَلَقَهُ أَنَّهَا دَومًا خَاسِرَةٌ، وَكُلَّمَا صَدَّقَهُ أَحَدُ الزَّبَائِنِ اِزدَادَت أَربَاحُهُ، وهَكَذا َقَرَّرَ أَن يَكُونَ تَابِعَاً لِلمَالِ الَّذِي يَملِكُهُ وَأَن يَكُونَ وَفِيَّاً لَهُ وَفَاءَ الكَلبِ لِسَيِّدِهِ..
قَالَ أَحَدُهُم: نَحنُ لَا نَمُوتُ أَسرَعَ إِن بَقِينَا عَلَى هَذِهِ الأَرضِ..
فَأَجَابَهُ الآخَرُ: وَهَل نَبقَى عَلَى هَذِهِ الأَرضِ لِأَجلِ المَوتِ فَقَط؟
قَالَ لِنَفسِهِ وَقَد تَسَرَّبَتِ الكَلِمَاتُ إِلَى أُذُنَيهِ: كِلَاهُمَا صَادِقٌ، وَالدُّمَى لَا تَتَحَرَّكُ مِن تِلقَاءِ نَفسِهَا بَل تَستَجِيبُ لِإِرَادَةِ مَن يَقُومُ بِتَحرِيكِهَا، لِذَلِكَ كُلَّمَا انقَضَت أُمنِيَاتُ الإِنسَانِ يُفتَرَضُ بِهِ أَن يُعَاوِدَ التَّمَنِّيَ مِن جَدِيدٍ، لِأَنَّ الأُمنِيَاتِ تَفُوقُ إِرَادَتَهُ وَتَقتَحِمُهُ مِثلَ الشَّمسِ الَّتِي يُنِيرُ ضِيَاؤُهَا وَيُحرِقُ لَظَاهَا، لَكِنَّ لِلأَسَفِ الإِنسَانَ لَا يَكتَسِبُ الحِكمَةَ اللَّازِمَةَ إِلَّا بَعدَ فَوَاتِ الأَوَانِ..
فِي اليَومِ التَّالِي، كَانَ قَد سَرَى بِلَيلٍ فَبَلَغَ عَالَمًا آخَرَ يَتَخَلَّلُهُ الظَّلَامُ المُدقِعُ لِيَجعَلَهُ مِثلَ قِطعَةِ قُمَاشٍ تَبَلَّلَت بِمَاءٍ آسِنٍ، كَانَ يَمشِي كَشَبَحٍ خَافِتٍ لَا صَوتَ لِوَقعِ خُطَاهُ، يَعبُرُ الطُّرُقَاتِ كَنَسِيجٍ أَثِيرِيٍّ لَا يُرَى، تَتَشَظَّى رُوحُهُ إِلَى قِطَعٍ صَغِيرَةٍ لَكِنَّهَا لَا تَخرُجُ مِن جَوفِهِ العَمِيق وإنما تَبقَى حَبِيسَةً لِأَسوَارِ القَلَقِ..












