للسمحين فقط
عادل حسن
من شقاوات الدنيا قُدِّر لنا، كعائلة اعتادت الأسفار في حياتها، نساءً ورجالاً، للعلم والعمل داخل وخارج الوطن، ولأنني افترعت من هذه العائلة، قد هدرت عمر ومضغت شباب بين هذيع المطارات المسهدة وسخف الموانئ المرهقة.
إنه شبه دسك اجتماعي ألفناه واحتوانا.
قد هبطنا على السعودية عند خاصرة التسعينات، وابن خالي الوحيد الغالي أشرف ود اليماني، وتفرقنا في مدن المملكة، وركب كل منا قطار غربته ومضى بعيداً ووحيداً يبلله دمع النوى.
والآن صار المهندس أشرف، وتنزلت به أسفار العمل في عاصمة أفريقية تتحدث باللكنة السواحلية وتجافيها الشموس.
وجدت الرياض غارقة في أحزان عيون العالم الثالث وكل جنسيات العوز والفقر، فألفت الواقع نصف المضطرب.
إنه عالم يكاد يحتشد كله في مدينة واحدة، كأنها علبة مشعال الكبريت منزوعة البارود.
ولكن هنا أدلف على الأسفار المهنية التي كملت لوحة الترحال.
فالأسفار المهنية، مع اليقين عندي بأن الأدباء والصحافيين محكومون بالعمل المؤبد مع الأبجدية الشاقة.
إنهم يعملون خلال إجازاتهم أكثر من أي وقت آخر، لأنهم في الإجازة يتفرغون للكتابة والتفكير، مثل إبراهيم عوض يعني وأكشنه، ويذهب الناس للإجازة لينسوا، أما الصحافي فليتذكر وهو يلوك ذاكرته كحال ياسر فضل المولى.
فالغربة يا أعزاء لها عرضحالات وحكايات يتعذر نشرها، مثلما يتعذر نشر وتجفيف الملابس الصغيرة في البلكونة.
وهناك في غربة الرياض كرار التهامي وجلال، اللذان قدما في عهد الملك عبد العزيز في القدم والعراقة، وهما يتقاسمان لعج النغم الراعف.
للمعزب الشاعر عثمان خالد ود بارا، وتهطل حمد الريح في السبعينات:
يا قلبي يا مكتول كمد
اعصر دموعهما
هات غنوة لي
سايب البلد يا حليلو
يا حليلو
في حكاية ألفة بين الصنوبر والنخيل والقمر والماء.
والرياض الآن امتلأت بالمضاعة والضياع، كأنها مملكة الخيال، وطفحت بالحشود على موائد الفراغ العريض والأوهام الجميلة في صالات الخرافة.
تسعون عاطل موهوب وتسعة محظوظين بالسهر المجاني.
تكريم أو عزاء أو تأبين أو وداع، وبطاقة دعوة واحدة بلا تاريخ، والسهر هناك يجعلك أن تشتهي تفسخ الصباح وأنت تقول:
صباح الخير أيها الليل.
المناسبات هناك تنتظرك وتولد كأنها ابن السبعة، ولكنها تتضخم وتخرج من رحم الجمعيات والروابط التي خلقت لنزاعات الناس مثل:
سيدة وجمالاً فريداً
خلقوها زي ما تريد
وما تريد هذه ملكة جمال جرماني أشقر أشقت الدنيا الذكورية.
فالغربة أتت بأجيال وشباب كأنهم قطع في سوق الأعمار، كقطع تبديل حية ضخت الحيوية في شرايين الاغتراب كالبحار الحية، وحركت برك الروتين المتجمد.
مثل ذاك الفتى الهدهاد وقهوة عيون الناس الحضران عبد العظيم البرهان. هذا البرهان يخال لك بأنه صنع مع خلطة العطورات الباريسية وفاح بين الناس كشهقة رضا وروح إدهاش.
وعبد الباقي النعمان، الرجل الذي يحسك بأنه هبط للتو من عالم أنصع الكواكب والنجوم، والتماع الشخصية المعطونة في برطمان محلب الريافة.
وعصام ود السكة، الذي يتلفح بكل عراقة أهل كوستي بعد أن خلع ثياب العصور الوسطى، وهو ينازل منافسيه الرياضيين بأزياء عصرية ثورية جذبت إليه الاحترام والتقدير، وصار محراباً رياضياً رغم مضاضة أحداث انتخابات رابطة الهلال التي صحت عند عصام ود السكة.
أحداث عنبرة جودة الشهيرة.
نعم، إن أجيال المغتربين الآن بالرياض، في سمرهم ومجالسهم، يستمعون للاليذات الكبار من أغاني الصبابة:
أصحابو وأندادو الزمان
ما دقو باب
في بيتو في الركن الحزين
كتبو ومجلاتو كاسيها الغبار
فانوسو في شباكو الحزين
سافر زمان قبال سنين
لا جاب جواب لا جاب خبر
أمو تسأل كل طائر
وكل عائد من سفر
وأظن بأن صديقنا بطعم قديم محمد سلمان لا عندو كتب لا مجلات، ويستمع لأولاد حاج الماحي.
والمغتربين في الرياض لهم بطاقات حضور عليها أختام خروج كل الحكومات. مثلاً شيخ العرب المثقف والمك سمير عبد المطلب هو الآخر تعتقت به السنين والأعوام، ولم تغادر مسامعه هتافية الحنين على لسان والدته:
أنت من يادوب صغير
بلقا في حضنك ضراي
كان مسافر
شان علاجي
بلقا في شوفتك دواي
وسمير عبد المطلب يحدق في رصيف الاغتراب والرصيف التاني لأمنياته، وهو غض الشباب، يمشي تحت سنين امتدت وتمددت وانطوت وابتلعت عنده الستون الحسان من عمر العطاء والسخاء والنجاح والتميز الوسيم، وهو يقود سفينة أعمال اسمها أرض المهجر وأرض المحس.
هذا المزيج المدهش بين حب الناس وبين مشاطيب الحياة من الناس، الذين بات سمير يمنحهم الجرعات المضادة لوجع الإخفاق في منال الاغتراب، وهم يلتفون حوله وهو مثل القمر بلا نجوم، والرياض تفيض بكل الأعمار بدل فاقد، ولسان حالهم يردد:
والله لو كنت أعرف نهايتي
لما ابتديت
والسنين تتدحرج، وأغلقت صالات الترانزيت واستعصمت الموانئ.
ومن إهداءات الغربة أهديكم لفافات سلوفان افترار الابتسام، ومن هذه اللطافات في أنس ومجالس الغربة، صديقي الدكتور المثقف يسألني:
يا عادل، إنت الرشيد علي عمر وبلة علي عمر مش إخوان؟
فقلت له بالمختصر كده يا دكتور:
الاسم فعلاً مطابق، ولكن الفرق بينهما مثل الفرق بين عمامة حسين خوجلي الناصعة وبين عمامة تربالي يعافر المعوال في جروف حفير مشو.
أو احسب بأن هناك سرويس كاسترد تحلية مثلج ومطرز بحبات الزبيب وجواره ملاحة الشطة.
فضحكنا لأجل اللطافة والمرح لا أكثر.
وفجأة تأتينا أخبار الزملاء بأن الفخيم عوض أحمد عمر هجر الرياض وهبط على ليل مدينة مانشستر البريطانية، ولكنه لن يكون مصطفى سعيد نسخة الألفيات، ونحدث الحبيب عوض:
إيه بحر الشمال
وإنت النيل حداك
وفي تناثر هذه الأنابيش والقفشات كابتسامة ضد الرتابة، ونهديكم بطاقة محبة ورقصة شوق.
وأزيكم كتير.













