مواقف سوالف
خالد الضبياني
في السودان لا تُعتبر كرة القدم مجرد لعبة، بل هي جزء من تفاصيل الحياة اليومية.
هي حديث المقاهي، وضجيج الأحياء، وفرحة الأطفال في الأزقة، وحلم آلاف الشباب الذين يرون في الكرة طريقًا للهروب من قسوة الواقع.
في بلدٍ أنهكته الأزمات والحروب، ظلت كرة القدم واحدة من الأشياء القليلة القادرة على جمع الناس تحت راية الفرح والانتماء. منذ سنوات طويلة والسودانيون يعشقون الكرة بجنون. الجماهير تمتلئ بها المدرجات رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، وتقطع المسافات الطويلة من أجل مشاهدة مباراة، وتهتف لأنديتها ومنتخبها بإخلاص نادر.
لكن هذا العشق الكبير ظل يصطدم دائمًا بحقيقة مؤلمة: الإهمال.
فالكرة السودانية تمتلك المواهب، لكنها تفتقد التخطيط. تمتلك الجماهير، لكنها تعاني ضعف البنية التحتية. تمتلك التاريخ، لكنها تُدار بعقلية لا تصنع المستقبل.
كم من لاعب موهوب خرج من الأحياء الشعبية، وكان يمكن أن يصبح نجمًا أفريقيًا أو عالميًا، لكنه ضاع بسبب غياب الرعاية؟ وكم من نادٍ عريق أنهكته الأزمات المالية والإدارية حتى أصبح عاجزًا عن المنافسة بالشكل المطلوب؟
ورغم كل ذلك، ظلت الأندية السودانية، وعلى رأسها الهلال الخرطوم والمريخ الخرطوم، تحاول إبقاء اسم السودان حاضرًا في البطولات الأفريقية. كما ظل المنتخب السوداني يقاتل في ظروف صعبة، متفوقًا بإمكانات أقل بكثير من منافسيه، لكنه يلعب بروح يعرفها السودانيون جيدًا: روح التحدي.
المشكلة الحقيقية ليست في غياب الموهبة، بل في غياب المشروع الرياضي الحقيقي. فالدول التي صنعت كرة قدم قوية لم تعتمد على الحماس وحده، بل بنت ملاعب، وطورت الأكاديميات، واهتمت بالناشئين، ووضعت خططًا طويلة المدى. أما في السودان، فما زالت الرياضة تُترك أحيانًا لتصارع وحدها دون دعم كافٍ أو رؤية واضحة.
ورغم الإهمال، تبقى كرة القدم في السودان قصة عشق لا تنتهي. عشق شعب يرى في الكرة أكثر من مجرد فوز وخسارة، يراها مساحة للهروب من التعب، ووسيلة لصناعة الأمل، ولغة تجمع الناس حين تفرقهم السياسة والأزمات.
ولهذا ستظل الكرة السودانية حية، لأن الجماهير لم تتخلَّ عنها يومًا، حتى عندما تخلى عنها الكثيرون.









