وجوه وحكايات
م. محمد الجيلي الشيخ
في حياة الإنسان أبوابٌ كثيرة، بعضها يُفتح بكلمة، وبعضها يُغلق بنظرة، لكن أعظم الأبواب التي تُغيّر المصير هي أبواب المجالس؛ فمن تجالسهم يصنعون جزءًا من قصتك، يرفعونك أو يهبطون بك، يضيفون إلى رصيدك أو يخصمون منه، يوسّعون رؤيتك أو يضيّقونها حتى تختنق.
إنّ الإنسان لا يُصنع وحده… بل يُصنع من الوجوه التي يختارها، ومن الكلمات التي يسمح لها أن تدخل قلبه، ومن المجالس التي يجلس فيها.
✦ هنالك مجالس تزيدك… وتُشعل نورك
هناك أشخاصٌ إذا جلست معهم شعرت أنّ الحياة تتّسع، وأن الطريق يضيء، وأن داخلك يستيقظ كأنك وُلدت من جديد.
هؤلاء يضيفون إلى رصيدك:
- رصيد التجارب التي لم تخضها أنت،
- رصيد الحكمة التي لم تدفع ثمنها من عمرك،
- رصيد الثقة الذي يذكّرك بأنك قادر على العبور مهما اشتدّ الظلام،
- رصيد الطاقة الإيجابية التي تُعيد ترتيب فوضى الأيام،
- رصيد الخطط والأفكار التي تُفتح لك أبوابًا لم تكن تراها.
هؤلاء حين يحدّثونك عن بداياتهم البسيطة، عن مرارتهم وصعابهم، عن السقوط والنهوض، عن الدروس التي كادت تكسرهم ثم صنعتهم… فإنهم يمنحونك خريطة طريقٍ جاهزة، ويختصرون عليك سنواتٍ من التيه، ويُضيفون إلى حياتك تجربةً حقيقية دون أن تخوضها أنت.
إنهم يفتحون لك أبواب المجد قبل أن تصل إليها، ويُشعلون في داخلك شرارةً كانت خامدة، ويُعيدون إليك يقينك بأنك قادرٌ على النجاح مهما طال الطريق.
✦مجالس تنقصك… وتطفئ نورك
وهناك صنفٌ آخر…
صنفٌ يجلس معك ليأخذ منك، لا ليضيف إليك.
من يطفئون نورك، ويقلّلون من شأنك، ويزرعون الشك في قلبك، ويجعلونك تُعيد النظر في نفسك لا لأنك أخطأت، بل لأنهم لا يريدونك أن تنهض.
هؤلاء مجالسهم سمٌّ بطيء، يستهلك الزمن بلا فائدة، ويُهدر العمر بلا ثمرة.
لا تجالس من ينافق ويكذب؛ فإن الكذب يسرق من روحك صفاءها، والنفاق يسرق من قلبك قوّته.
لا تجالس من يجعل حديثه كلّه عن الناس، عن أخطائهم، عن أعراضهم، عن زلّاتهم؛ فهذه غيبةٌ ونميمة نهى الله عنها، قال تعالى:
﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾
مجالس الغيبة تُطفئ البركة، وتُسقط الهيبة، وتُشوّه القلب، وتُبعد الإنسان عن نور الله.
ومن يجالس أهل الغيبة لا يجني إلا الذنوب، ولا يحصد إلا احتقارًا لنفسه، ولا يخرج إلا وقد خسر من رصيده الروحي أكثر مما خسر من وقته.
✦المجالس تصنع المصير… فاختر مصيرك
بعض من تجالسهم قد يكون سببًا في أن تُفتح لك أبواب النجاح، وأن تُرفع لك مكانةٌ لم تكن تتوقعها، وأن تُولد في داخلك نسخةٌ جديدةٌ من نفسك… نسخةٌ أقوى، أعمق، أصدق، أكثر وعيًا بالحياة.
وبعض من تجالسهم قد يكون سببًا في دمارك، في انحرافك، في ضياعك، في أن تتراجع بدل أن تتقدّم، وفي أن تُطفئ نورك بدل أن تُشعله.
إنّ اختيارك لمن تجالس ليس أمرًا عابرًا… بل هو اختيارٌ لمستقبلك.
فالمجالس تُعيد تشكيلك، والكلمات تُعيد صياغة روحك، والوجوه التي تختارها اليوم هي التي ستكتب قصتك غدًا.
✦خلاصةٌ ………
اجلس مع من يشبه أحلامك،
مع من يشبه نورك،
مع من يشبه الطريق الذي تريد أن تسير فيه.
اجلس مع من يرفعك، لا من يكسرك.
مع من يذكّرك بالله، لا من يجرّك إلى معصيته.
مع من يفتح لك طريقًا، لا من يسدّ عليك الأبواب.
مع من يضيف إلى رصيدك، لا من يسرق من عمرك.
الحياة قصيرة، والوقت أغلى من أن يُهدر في مجالس فارغة، والروح أكرم من أن تُسلَّم لكل عابرٍ لا يعرف قيمتها.
فاختر بحكمة، واختر بقوة، واختر بما يليق بمستقبلك، لا بما يرضي لحظةً عابرة.
✦ الخاتمة…
إنّ الإنسان يُصنع من مجالسه… ومن كلماته… ومن وجوه من حوله.
فإن أردت أن تصنع مجدك، فابدأ باختيار من يجلس إلى جوارك.
وإن أردت أن تحفظ نورك، فابتعد عمّن يطفئه.
وإن أردت أن ترتفع… فاجلس مع من يرتفعون.











