على الهواء الطلق
عادل حسن
الكتابات الراعفة تندفع حتى نعطس بأنف الحسرات، وهي مرتبطة بالعلل الرياضية والصحة الإدارية الموبوءة بالعضال والكساح الكروي المقيم.
ونهرب نحن من موطنها وتوطنها، مثلما غادر الصحابة الراشدون مكة مكرهين، ويمموا شطر الطائف التي أسالت الدم من رأس المصطفى الحبيب، وعصت وقست على القافلة المؤمنة.
والطائف موروثة الصد، وسكن عصاة التاريخ القديم، الآن تحتضن عصاة الاتحاد السوداني لكرة القدم، وهم يتحصنون بها ولا يدركون أين ناخَت قصواء الكرة السودانية ومن أمرها.
فالمنتخبات والأندية مفرقة بين مضارب الشعوب مثل دم عثمان، وسُفكت الكرامة بسنان وصوارم الهزائم المستنسخة، بين السيقان الناعمة لمنتخب النساء، وبين الأرجل العاطلة لمنتخب الرجال، فكان الانتحار الوطني للمشاركات الخارجية.
والجمهور الرياضي يردد في انكسار: سوف يسحقهم الله ويزلزل جبروتهم الإداري.
ونحن هنا لا نقسو ولا نتشفى في إدارة الاتحاد العام بمقصد شخصياتهم وذواتهم، بقدر ما نقدح في ممارستهم لإدارة الكرة التي أخذت منهج قوم نوح، لا نصح ولا عظة، حتى تدفق فيض العناد وغطى كل شيء، وحُفظ عنصر الاتحاد العام من الانقراض، وتناسل بالكساح، وأورث الجماهير الرياضية تكاثر الهزائم التي تحمل أكثر من اسم وألف صفة من الخذلان.
أضحى قوم الرياضة في تناقص وندرة كطائر العنقاء، وخرافة معنى أنك مشجع للكرة السودانية بهلالها الهلامي، ومريخها المتلاشي، ومنتخبها صومعة الهزائم لكل المواسم.
وإذا وجدت من هو مشجع للكرة السودانية، وبكل ثقة اسأله: كيف هم أهل الدولة العباسية؟ ومتى رجعت من مضارب قوم حمير؟ وبعد ذلك قل لهذا المشجع: هل حضرت عيد ميلاد الشيطان الذي يضرب فخذيه ليتكاثر؟
بالدارجي الخشن كده: لا جمهور للكرة السودانية.
دونكم، حتى الذوق الرياضي نزح وطار. دونكم مقاهي الشتات تضج وتهدر لأهداف ريال مدريد، النادي الطراز، والأرواح تنقبض لخسارة برشلونة.
إنها الهجرة الرياضية والانتماء لدوريات حتى ما وراء البحار.
فالكرة السودانية، التي يستلذ مشجعوها بحلاوة ومتعة قصب سكر عصاري المنافسات، ومذاق ساندويتش الظهيرة على المدرجات، ما عادت، وانسكبت هيبتها في منحدرات النسيان، وأضحت الملاعب يباباً، واللاعبون في عمق مضاعف من عُقر ووعثاء الشتات.
إن قوافل البطاريق وطيور الهجرة لها مواسم للرجوع، فمتى فيالق الكرة السودانية تعود للديار وللوطن؟ أم أنها ألفت التسكع والركض في بيادر بعيدة وباحة فيحاء تثمر لهم فاكهة وأبّاً؟
إن العودة فيها اقتداء وقدوة، ومغادرة للامستدام.
كيف والصحابي الجليل بلال بن رباح، بعد موت المصطفى الحبيب، هجر المدينة حزيناً واستوطن بلاد الشام، فطالته التباريح واللوعة، حتى أتاه المصطفى الحبيب في المنام: لماذا هجرتنا يا بلال وحرمتنا من صوت أذانك؟
فبكى بلال وارتعش وعتق، وعاد للمدينة ورفع الأذان، فاهتزت الدنيا في المدينة، وبكى بلال حتى تحشرج.
فمتى يعتق اتحاد الكرة السوداني من تباريح الطائف، وتكون أوبته للوطن أعز من إبل ونوق المجاهيم في صحراء نجد؟
إن عراك واصطراع الأمم السمراء ينتظركم ويقترب، وشتان ما بين سيقان مفتولة تقتات البفرة الأفريقية المرة، وبين أرجل الأرز المقلي والمسحب الشهي، كما أن الأهوال والمخاوف ترافقكم على إيرباص رحلة المشاق المنتظرة والعنت الأفريقي، منذ لحظة تقبيل إطارات الطائرة لوجه مدرج الوصول.
فما هو الزاد الفني؟ وماذا أعددتم رغم آلاف السنين الضوئية من معسكر الطائف؟
ونخشى أن نتلفح الهزائم مع شعار السودان، والخوف المؤكد: هل ستظل هزائم الكرة السودانية واضحة التوقع مثل ضرب السلاح؟
ولأهل الطائف سلام.













