من «الدافوري» إلى القمة.. سيرة لاعبٍ متعدد الأدوار
صنع مجده بين الوسط والدفاع




جمع الصرامة والمهارة والوفاء
مشواره بدأ من أبو روف وبلغ القمة
جوكر في الملعب.. وحضورٌ لا يغيب
خدم ناديه ووطنه بكل إخلاص
الهلال.. المحطة الأخيرة قبل الاعتزال
عماد أحمد ـ آكشن سبورت
في ذاكرة الكرة السودانية أسماء لم تصنع حضورها بالضجيج، وإنما بما قدمته داخل المستطيل الأخضر من عطاء وانضباط وإخلاص، ويأتي الكابتن الراحل محسن العطا في مقدمة تلك الأسماء التي تركت بصمتها في حقبة زاخرة بالنجوم. بدأ مشواره من «الدافوري» في حي أبو روف بأم درمان، وشق طريقه عبر أشبال المريخ وفريق الإخلاص، قبل أن يرتدي شعار المريخ ويصبح أحد عناصره المؤثرة، مستفيداً من لياقته العالية وحماسه وقدرته على أداء أكثر من دور داخل الملعب. ومن خط الوسط إلى الدفاع، ظل العطا خياراً موثوقاً للمدربين، حتى قادته مستوياته المميزة إلى المنتخب السوداني والمشاركة في تصفيات أولمبياد ميونيخ، ثم الظهور في الدورة الأولمبية عام 1972 بألمانيا الغربية. ولم تتوقف حكايته عند كرة القدم، إذ حمل بعد الاعتزال اهتمامات أدبية وإعلامية، وكتب في الصحافة الرياضية وقرض الشعر، لتبقى سيرته شاهدة على لاعب جمع بين الرياضة والثقافة والوفاء.
ابن أبو روف
ولد الكابتن محسن العطا في حي أبو روف بمدينة أم درمان، وتلقى جميع مراحله الدراسية فيها. وكانت بدايته الرياضية من ملاعب «الدافوري» مع أقرانه في الحي، قبل أن يلعب لأشبال المريخ، ثم ينتقل إلى فريق الإخلاص الأم درماني، أحد أندية الدرجة الثالثة بمنطقة أم درمان.
ومن خلال مشاركاته مع الإخلاص، قدم مستويات مميزة جعلته مطلوباً لدى أندية القمة، قبل أن ينجح المريخ في تسجيله عام 1968.
وكان شقيقه الأكبر، الدكتور عوض الله، قد سبقه إلى اللعب للمريخ، لكنه لم يستمر طويلاً بسبب ظروف دراسته للصيدلة في جامعة الخرطوم.
وسط المريخ
كان محسن العطا من نوعية اللاعبين الذين تتطور مستوياتهم باستمرار، ولذلك حرص المدرب الراحل منصور رمضان على توظيف قدراته في خانة الارتكاز، إلى جانب الثنائي بشارة وبشرى وهبة.
وسرعان ما انسجم العطا مع زملائه، مستفيداً من ثقته الكبيرة في نفسه وحماسه ولياقته البدنية العالية، التي كانت تمكّنه من أداء المباراة بالقوة نفسها حتى نهايتها، فضلاً عن حضوره في مختلف مساحات الملعب.
ومنح وجوده خط وسط المريخ الفعالية المطلوبة، وكان لذلك الخط، بقيادة بشارة وبشرى وهبة ومحسن العطا، دور مؤثر في الإنجازات التي حققها الفريق، ومنها التتويج بالدوري دون هزيمة أو تعادل، ثم المحافظة على قوة النتائج في الموسم التالي بتعادل واحد فقط.
إلى الأولمبياد
المستويات المتصاعدة التي قدمها محسن العطا مع المريخ، والخبرة التي اكتسبها خلال تلك الفترة، فتحت أمامه أبواب المنتخب السوداني.
وشارك أساسياً في مباريات السودان ضمن تصفيات دورة الألعاب الأولمبية في ميونيخ، قبل أن يكون ضمن العناصر الأساسية للمنتخب في أولمبياد ميونيخ عام 1972 بألمانيا الغربية.
وكان انضباطه التكتيكي وقدرته على تنفيذ تعليمات الأجهزة الفنية من أبرز السمات التي جعلته خياراً مهماً للمدربين الذين أشرفوا على تدريبه.
لاعب جوكر
بعد تسجيل عمر أحمد حسين، جرى توظيف محسن العطا في خط الدفاع، ولم يجد صعوبة في الانتقال إلى مهمته الجديدة، لأنه كان من اللاعبين الذين يجيدون أداء أكثر من دور بالكفاءة نفسها.
وبرهن على قدرته في اللعب بخطي الوسط والدفاع، ليصبح «جوكر» الفريق، بما امتلكه من لياقة وانضباط وقراءة جيدة للملعب، إلى جانب الحماس والجدية في التعامل مع المنافسين.
عودة النشاط
عندما عادت الأندية إلى ممارسة نشاطها في فترة ما عُرف بـ«الرياضة الجماهيرية» عام 1977، شارك محسن العطا في مباراة العودة أمام الهلال، التي انتهت بالتعادل الإيجابي 1-1، ولعب يومها في خانة الظهير الأيسر.
وبعد أن سجل المريخ مجموعة من النجوم الشباب، انتقلت الخانة إلى اللاعب عبده ساتي، لتبدأ مرحلة جديدة في مشوار العطا.
وفي عام 1978 شُطب محسن العطا من كشوفات المريخ، لكنه كان لا يزال يشعر بقدرته على العطاء، فوقع في كشوفات الهلال ولعب له موسماً واحداً، قبل أن يقرر اعتزال كرة القدم.
محطة جدة
في نهاية سبعينيات القرن الماضي، شد محسن العطا الرحال إلى مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية، حيث عمل موظفاً في إحدى الشركات لمدة 30 عاماً.
وبعد عودته إلى السودان، لم تنقطع علاقته بالرياضة، فاتجه إلى الكتابة الصحفية، وكان يكتب بصورة راتبة عموداً يتناول القضايا الرياضية المختلفة في إحدى الصحف الرياضية.
شاعر ورياضي
لم تكن اهتمامات محسن العطا محصورة في كرة القدم، فقد كان مهتماً بالشعر ويقرضه، وله ديوان شعري لم يُطبع، في جانب آخر من شخصيته يعكس تعدد اهتماماته بين الرياضة والأدب والصحافة.
كما امتدت علاقة الأسرة بكرة القدم، إذ لعب شقيقه الأصغر، الكابتن إبراهيم عطا، لفريقي الزهرة الأم درمانية والمريخ، وأسهم مع زملائه في تحقيق عدد من بطولات المريخ الخارجية.
إخلاص وصرامة
كان محسن العطا لاعباً مخلصاً وغيوراً وحماسياً، ومن الذين بذلوا الجهد والعرق من أجل المريخ، كما مثّل السودان خير تمثيل.
وعندما كان يلعب في خط الوسط، يؤدي دوراً كبيراً في إيقاف هجمات المنافس، ليشكّل خط الدفاع الأول، إلى جانب قدرته على تموين زملائه بالتمريرات الصحيحة وبناء الهجمات والانطلاق نحو مرمى الخصم.
أما عندما يشارك في الدفاع، فكان يؤدي مهمته بمسؤولية وصرامة، ولا يستهين بالمنافس، ولا يغفل عن المهاجم حتى صافرة النهاية، وهي خصال جعلته لاعباً يمكن الاعتماد عليه في أكثر من مركز.
سيرة وفاء
تلك إضاءات من مسيرة الكابتن الراحل محسن العطا، وكان قد خصني بهذه المعلومات خلال فترة وجوده في مدينة جدة، وقبل عودته النهائية إلى السودان.
إنها سيرة لاعب بدأ من «الدافوري» في أبو روف، ووصل إلى المريخ والمنتخب الوطني والألعاب الأولمبية، ثم حمل بعد الكرة قلمه واهتمامه بالشعر، محتفظاً بعلاقته بالرياضة وذكرياتها.
ألف رحمة ونور تتنزل على قبر الكابتن الراحل، الأخ الكريم محسن العطا، أحد نجومنا الأفذاذ في ماضينا الكروي البديع، الذي ترك وراءه سيرة عامرة بالعطاء والإخلاص والوفاء.













