تباشير
د. وليد محجوب
يأتيك صوته مثل نبعٍ صافي خرج للتو من بين صخور صاغت مروره بها لحناً شجيا. تتدفق الكلمات المنتقاة بعنايةٍ تدعو للتأمل، فهو مثل الصائغ العاشق، ينتقي الجواهر الكريمة من بين أكوام الأحجار الملونة الزائفة. سمعته ذات مرة على اليوتيوب يشدو بكلماتٍ لا تستوقف إلا مغني صاحب رؤية مختلفة، فأدركت أنه ليس مجرد مغني، بل “مشروع فني” مختلف عن صنوه من بقية مغنين جيله. كانت تلك الأغنية هي:
مرة كان .. فى بالي نيمة
حتت الضل .. فى قفاها
وفرَّشت .. برش النميمة
غرد الطير فوقها .. ياها
كلمات تحمل معاني ترتقي بالذوق، وتنفض الغبار الكثيف الذي ران على سطوح سمعنا فينقشع، لأطرق السمع من جديد، لامتدادات الحقيبة ووردي وود الأمين وعثمان حسين. ذلك جيل جعل ترديد الأغاني المسموعة كطرق الباب ليعرفه الناس فقط لا غير، وما أن دلفوا إلى حوش الإذاعة حتى جرى نهر الإبداع الخاص بهم يتدفق.
أخذني مقطع الأغنية الأول بعيداً قليلاً، وأعادني المقطع الثاني لصوت خالد عبدالرحيم:
ياها .. بالشامة الرحيمة
نادت الشَّمٔ .. فى سماها
وجاوبت .. فى الليل نجيمة
ذلك تفكُر بديع يجمع بين الوعي واليقظة. وما أحوجنا لما يوقظ فينا الوعي في زمان طغت فيه مظاهر السطحية على كل مناحي الحياة. لا شك أننا نحتاج لإيقاظ الوعي الذي يقودنا إلى رؤية الجوانب المشرقة ويجعلنا نغض بصرنا عما يعكر صفونا، يجعلنا نرى قيمة السودان يقظةً، تلك القيمة التي لا نراها إلا حينما نرحل بعيداً جداً، أو نفقدها:
مرة فى الخرطوم .. سَرَحْتَ
شفت جواي .. ماشة غيمة
قالت الريح .. انت رحت
تهت من حبل المشيمة
تتوه خطانا ونحن نبحث عنا في الأماكن الغريبة، وفي المنافي القريبة، وفي المجاهل المُريبة، ولا نجدنا. “قالت الريح إنت رحت” بيت شعر يقرع أجراس الوعي عاليةً، أن أرضك مثل عرضك، وأن سعدك بين أهلك، وأن روحتك تفتح أبواب التعب.
انت شباك .. وانفتحت
جيهة الذكرىٰ .. القديمة
مثل هذا الغناء، يشحذ فينا مهارة استقراء الخطاوي قبل أن نبدأ مشيها، فيقينا كثيراً من العنت في دروب البحث عن وطن تركناه بين أيدي العابثين وبدأنا رحلة البحث عن وطن بديل، رحلة اغتراب ما سد باب، وارتحال لي قواديساً بعيدة تدور في ساقية العجم. والنتيجة: انتحاب الذكرى القديمة، بعد ما فات الأوان.
نجمة قالت : قاعدة احبك
فوق جراحاتي الأليمة
صدري .. مليان دايرة اصبك
بكرة فى الجمعة اليتيمة
هنا تظهر مشكلة “العرجا” وهي تتلمس طريق العودة لي “مراحها”. عندما ندرك متأخرين كم نحب ما تركناه خلفنا. وأننا أصبحنا مثل أبواليزيد البسطامي الذي خرج من بسطام في طلب الحق. وأننا ننتظر “الجمعة اليتيمة” تقول لنا : يا أيها الأبا يزيديون إن الذي تطلبونه قد تركتموه في بسطامكم، فنتنبه. لكن “كيف الرجوع لي زول قنع” إلى وطناً يلزم خدمته حتى يُفتح له.
مرة .. فى الخرطوم سألت؟
صاحب الروح .. مالو مافي
حِلمَتْ الاشواق .. ونمت
شفت .. فى الخد دمعي دافي
كلما ساقتنا خطاوي الإجازات السنوية نسأل النيل عن هوانا، والشوارع عن مُنانا، والبيوت عن شوقها لي رنان نِدانا. ونرجع آخر الليل تغطى دمعاتنا الوسادة.
نجمة قالت : حمت .. حمت
وتاني صديت لى لحافي
قالت : الصاحب .. بجرب
هسه .. حرية .. المنافي
حامت الخطوات تسابق، راجية حرية المنافي. وما عِرْفَت إنه ما تبحث عنه من إحساس قد تركَته في الأزقة الزاهية بي طيب الأواصر، والنوادي الضاجه بي عزم الشباب. ثم نصحوا بعد أن يسبق السيف العزل، بعد أن يهجر الشباب أكنان الوطن ويهاجر، وبعد أن يتكبل الشيب بي لحاف البُعد عن وطن يشتكي عقوقنا حين لهثنا خلف حرية المنافي.
شكراً الأستاذ خالد عبد الرحيم والشاعر وهيب بكري، فقد صنعتما لوحةً تُفصح عن قراءات عديدة كلما نظرنا إليها من زوايا مختلفة. لكنها كلها تجتمع في أن الإبداع الحقيقي هو ما يفتح الأبصار لحقوقها، ويزكي النفوس بما يسمو بها، ويحرك فينا غريزة حب الوطن من تأمل نيمة حتت الضل في قفاها وفرشت برش “العزيمة” لي بكره أجمل.













