د / احمد قاسم
في كل مرة تتقدم فيها كرة القدم في العالم خطوات واسعة نحو الاحتراف، وتنجح منتخبات وشعوب في بناء تجارب كروية متماسكة تبدأ من القاعدة وتنتهي إلى منصات التتويج، يظل السؤال حاضرًا بإلحاح في الحالة السودانية: كيف تآكلت القاعدة الكروية حتى أصبحنا نبحث عن نتائج غائبة بدل أن نبني عليها مستقبلًا واعدًا؟ إن الحديث عن تراجع كرة القدم السودانية لم يعد ترفًا تحليليًا، بل ضرورة تفرضها وقائع واضحة، تبدأ من إهمال الفئات السنية، ولا تنتهي عند حدود الارتباك الإداري وغياب الرؤية المؤسسية.
ومع اتساع الفجوة بين ما وصلت إليه كرة القدم في عدد من الدول العربية والأفريقية، وما آلت إليه أوضاعنا المحلية، تبدو الأزمة في السودان أعمق من مجرد تعثر فني أو إخفاق عابر. فالمشكلة الحقيقية تكمن في المنبع ذاته: في غياب مشروع متكامل يضع الناشئين في قلب الاهتمام، ويعامل الفئات السنية بوصفها حجر الأساس لأي نهضة كروية جادة. ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا ومُلِحًّا: من المسؤول عن تآكل القاعدة الكروية في السودان؟
إهمال الفئات السنية للأندية عبر التاريخ
ظلّ ملف الفئات السنية للأندية في كرة القدم السودانية واحدًا من أكثر الملفات إهمالًا عبر تاريخ الحركة الرياضية، حيث لم يحظَ بالعناية اللازمة لا من الدولة ولا من القائمين على إدارة الاتحاد العام السوداني لكرة القدم. وتعاقب على قيادة الاتحاد رؤساء كُثُر، غير أن القاسم المشترك بينهم كان غياب الرؤية الاستراتيجية التي تُعلي من شأن بناء القاعدة، وتؤسس لمستقبل كروي مستدام.
غياب الرؤية وسيطرة الحسابات الضيقة
لقد أسهم هذا النهج القاصر في إعاقة تطور الكرة السودانية، إذ جرى تهميش المراحل السنية لصالح حسابات ضيقة، غالبها مرتبط بالرغبة في البقاء داخل دوائر السلطة الرياضية لأطول فترة ممكنة. فبدل أن يكون الاستثمار في الناشئين مدخلًا للتجديد والتحديث، أصبح الإهمال سمةً ملازمة، وكأن المناصب قد تحولت إلى إرثٍ محتكر تتداوله مجموعات بعينها عبر آليات انتخابية يشوبها كثير من الجدل.
انعكاسات الإهمال على المنتخبات
وفي هذا السياق، يُشار إلى أن بعض الفترات الإدارية، التي امتدت لعقود، لم تُعطِ المراحل السنية بالأندية ما تستحقه من اهتمام، الأمر الذي انعكس سلبًا على مستوى المنتخبات الوطنية، فتراجع الحضور السوداني في المحافل القارية، وغاب المنتخب عن نهائيات كأس الأمم الإفريقية لسنوات طويلة، باستثناء مشاركات متأخرة لم ترتقِ إلى مستوى الطموح.
مفارقة المواهب الخارجية
والمفارقة اللافتة أن بعض المواهب التي برزت مؤخرًا كانت نتاج أنظمة تكوين خارج السودان، في أوروبا وأستراليا وغيرها، حيث تلقى هؤلاء اللاعبون تكوينهم الحقيقي ضمن منظومات تهتم بالفئات السنية، ثم عادوا لتمثيل السودان، في مشهد يعكس عمق الخلل الداخلي، ويؤكد غياب البيئة الحاضنة للمواهب محليًا.
الأندية وأزمة القاعدة
ولم يكن حال الأندية بأفضل من حال المنتخبات، إذ أدى إهمال الفئات السنية للأندية إلى ضعف القاعدة الكروية، وانعكس ذلك على النتائج القارية، حيث عجزت الأندية السودانية عن تحقيق لقب إفريقي فى اهم بطولة وهى بطولة الأندية الأبطال ، رغم بعض المحاولات التي بلغت الأدوار النهائية من جانب فريق الهلال ، لكنها افتقرت إلى الاستقرار الإداري والفني، وتضررت بتدخلات غير مدروسة بمدرب الفريق أهدرت فرص التتويج فى المباراة النهائية للأندية الأبطال بين الهلال والأهلي المصري عام 87
غياب الدور المؤسسي للدولة :
كما أن غياب الدور المؤسسي للدولة، وعدم تبني سياسات رياضية واضحة تُلزم الأندية والاتحاد بالاهتمام بالمراحل السنية، فاقم الأزمة، وجعل الكرة السودانية تتراجع تدريجيًا، حتى أصبحت ضمن أضعف المنظومات الكروية على المستويين الإفريقي والعربي.
الطريق نحو الإصلاح
إن النهوض الحقيقي لكرة القدم في السودان لن يتحقق إلا بإعادة الاعتبار للفئات السنية، بوصفها حجر الأساس لأي مشروع رياضي ناجح، ووضع خطط علمية طويلة المدى تضمن اكتشاف المواهب وصقلها، بعيدًا عن المصالح الضيقة والصراعات الإدارية التي أنهكت جسد الكرة السودانية لعقود. فالإصلاح لا يبدأ من النتائج، بل من القاعدة؛ ولا يبنى الحاضر إلا إذا أُحسن إعداد المستقبل.












