صوت الحقيقة
أسماء إدريس
ليست كل الكلمات تُقال للمجاملة، وليست كل عبارات الشكر مجرد ثناء عابر، فهناك كلمة طيبة قد تعيد الأمل إلى قلب أنهكه التعب، وتشجيع صادق قد يمنح إنسانًا القدرة على مواصلة الطريق، وتقدير مخلص قد يزرع في النفس يقينًا بأن العطاء لا يضيع. فالكلمة الطيبة، والثناء الصادق، والتشجيع، وإحساس الإنسان بأن جهده كان محل تقدير، ليست أمورًا هامشية، بل هي من أسمى القيم الإنسانية التي تبني النفوس قبل أن تبني المجتمعات.
قال رسول الله ﷺ: «من لا يشكر الناس لا يشكر الله». فهذا التوجيه النبوي العظيم يرسخ ثقافة الوفاء ورد الجميل، ويؤكد أن شكر الناس على إحسانهم وعطائهم من مكارم الأخلاق التي يحبها الله.
وليس الشكر مقصورًا على من قدّم عملًا استثنائيًا، بل هو حق لكل إنسان أدى واجبه بإخلاص وأمانة. فمن الجميل أن نقول للطبيب: شكرًا لأنه خفف ألمًا، وللمعلم: شكرًا لأنه بنى عقولًا، ولرجل الأمن والجندي: شكرًا لأنه سهر من أجل أمننا، وللموظف الذي أتقن عمله: شكرًا لأنه احترم مسؤوليته، وللعامل الذي أدى واجبه بإخلاص: شكرًا لأنه أخلص فيما أوكل إليه. فهذه الكلمة لا تُنقص من مكانة قائلها، بل تعكس رقيه، وتمنح من يسمعها دافعًا ليواصل العطاء بإخلاص.
التقدير ليس مجاملة، ولا ترفًا اجتماعيًا، بل قيمة أخلاقية وحضارية تعكس رقي المجتمعات. فكل إنسان يبذل وقته وفكره وخبرته يستحق أن يشعر بأن جهده لم يذهب هباءً، وأن هناك من رأى أثره وأنصف عطاؤه.
المؤلم أن بعض الناس لا يعرفون قيمة المخلصين إلا بعد غيابهم، ولا يدركون حجم الفراغ الذي تركوه إلا عندما يفقدونهم. وحينها لا تنفع كلمات الندم، لأن الفرص التي ضاعت لا تعود، والقلوب التي انكسرت قد لا يرممها الاعتذار.
وليس التقدير حكرًا على أصحاب المناصب أو المشاهير، بل هو حق لكل أبٍ أفنى عمره من أجل أسرته، ولكل أمٍ سهرت وربّت، ولكل معلمٍ غرس العلم، ولكل طبيبٍ خفف ألمًا، ولكل جنديٍ حمى وطنًا، ولكل عاملٍ أخلص في عمله، ولكل إنسان صنع فرقًا، مهما بدا صغيرًا في أعين الناس.
إن المجتمعات التي تحتفي بأهل العطاء تصنع أجيالًا تؤمن بقيمة العمل والإخلاص، أما المجتمعات التي تتجاهل أصحاب الفضل فإنها تزرع الإحباط، وتطفئ روح المبادرة، وقد تموت معها روح العطاء، فتفقد مع مرور الزمن أجمل طاقاتها وأخلص أبنائها.
فلنكن أكثر وفاءً، وأكثر إنصافًا، ولنجعل كلمات الشكر تسبق لحظات الندم، ولنعلم أن الكلمة الطيبة صدقة، وأن الثناء الصادق لا يُنقص من قدر قائله، بل يرفع من قيمة المجتمع كله، ويصنع بيئة يزدهر فيها الإبداع والإخلاص.
التقدير ثقافة تُمارس، ورسالة احترام ووفاء واعتراف بالجميل. فلنقل شكرًا لكل من أخلص في عمله، ولكل من أدى واجبه بضميرواخلاص













