خالد ماسا يكتب عن البنج الموضعي وتغييب العقل النقدي
المعارك الوهمية تُخفي الأخطاء الحقيقية
الهيبة الإدارية تبدأ بالاعتراف والتصحيح
يواصل الكاتب خالد ماسا قراءاته النقدية للشأن الهلالي، متوقفًا عند ما يصفه بحالة “التخدير الإعلامي” التي تصرف الأنظار عن القضايا الجوهرية، داعيًا إلى مراجعة الأداء الإداري، وترسيخ ثقافة الشفافية والمحاسبة، واستعادة هيبة النادي عبر الاعتراف بالأخطاء ومعالجتها.
بنج إعلامي
ووجب علينا الاعتراف بأنه، وفي الآونة الأخيرة، نجحت مدرسة الكتابة الرخيصة في أن تصنع لها جمهورًا يطلب من الصحافة أن تتنازل عن سلطتها، وتلعب أدوار تقديم وجبات رخيصة وفي متناول الجميع.
نجحت، وعلى طريقة برنامج “ما يطلبه المشاهدون”، في أن تبتعد بذهن القارئ عن مساحات التفكير والأسئلة والتحليل، وتشغيل “الطايوق” باستخدام حبر “التخدير” والبنج الموضعي، والإلهاء بما يخدم حالة “الغيبوبة” العامة في الوسط الرياضي، وبالضرورة فإن الهلال وما يحدث فيه ليس بالبعيد عن هذا السوق.
سواقة خلا
بمجرد أن تم الإعلان من قبل لجنة الاستئناف بالاتحاد العام عن قرار اعتبار الهلال مخالفًا للوائح المنظمة لبطولة النخبة في مباراته الأخيرة أمام المريخ، وتحويل نقاط المباراة ولقب البطولة للمريخ، انتظمت الصحافة الهلالية والصفحات الهلالية حالة “تحشيد” للرأي العام الهلالي، و”تجييش” للمشاعر الزرقاء، لتبدأ “حفلة” و”سواقة خلا”، فكرتها الأساسية لا تتعدى أن بالاتحاد العام انحيازات مريخية ستتم مناهضتها من قبل مجلس إدارة نادي الهلال، ولا يفوت على الحصيف بأن هذا المسلسل معاد بعد أن تم عرضه في أيام البطولة الإفريقية ومباراة نهضة بركان، ولا يزال البعض يسيل لعابهم على صدورهم في انتظار حلقة CAS وإعادة الحق الهلالي المسلوب، والتخدير والبنج الموضعي لخلايا التفكير لم يدفعا أحدًا لمجرد السؤال: هل من الممكن أن تكون هنالك، ولو نسبة 1%، من الخطأ الإداري في الهلال أضاعت على النادي حقوقًا أصيلة بذلها اللاعبون عرقًا في الميدان؟
عقل ناقد
وهنا يأتي الفرق بين العقل الناقد وقدرته على التفكير، والعقل المستعد فطريًا لسواقة الخلا في الهلال، وهنا يجب علينا أولًا تثبيت حقيقة أن الاتحاد العام ولجانه ناقصو الأهلية لإدارة النشاط في السودان، وأنهم، ولولا عدم مبدئية إدارات الأندية وتصالحها مع الفساد و”اللولوة”، لما استطاعت هذه الطغمة البقاء على هذه المناصب ليوم واحد. والحديث هنا ليس لتبرئة لجان الاتحاد العام من تهم فساد القرارات، بقدر ما أننا نبحث عن تعريف حقيقي للفساد، وضبط حالات “الغش” الإداري والتضليل الإعلامي المستمرة باسم المصلحة الهلالية، واستغلال المشاعر والعواطف لتمرير ما هو أسوأ من ظلم لجنة مسابقات أو استئنافات.
رخصة كاف
الحقيقة تقول بأن تهم الفساد ومعاداة الهلال هي بضاعة منتهية الصلاحية، والخبر المتداول قبل يومين، بطريقة احتفالية، عن منح “لجنة تراخيص الأندية” رخصة الاتحاد الإفريقي CAF للهلال، والتي يتوقف منحها على استيفاء عدد من الشروط، وبالتأكيد فإن هنالك صاحب مصلحة في بقاء الجمهور الهلالي محبوسًا في “وهم” صراع المجلس والهلال مع الاتحاد العام، والاتحاد الإفريقي، سيعرض الخبر وكأنه “إنجاز” يُحسب للمجلس وانتصار.
عملية تفكيك هذا الخبر نريد منها أن نستعيد الجزء “العاطل” من التفكير لدى البعض من الغارقين في أكاذيب المعارك الوهمية، لنقول بأن هذه “الرخصة” يتم منحها عبر لجنة في الاتحاد الوطني، “لجنة التراخيص”، وهي المسؤولة عن التدقيق في التزام النادي المتقدم لنيل الرخصة بالمعايير والاشتراطات التي يضعها الاتحاد الإفريقي:
Club Licensing System
معايير الترخيص
ولمزيد من الوعي والمعرفة، فهي خمسة معايير أساسية واجبة التنفيذ لنيل الرخصة المشار إليها، وتبدأ بالمعيار “الرياضي”، ومعيار “البنية التحتية”، والمعيار “الإداري”، والمعيار “القانوني”، والمعيار “المالي”، وتتكامل هذه المعايير ليصبح بموجبها النادي مستحقًا للرخصة ومستوفيًا لاشتراطاتها.
البنية التحتية
ولا نريد أن نغرق المقال وذهن القارئ بتفاصيل يمكن الرجوع إليها على موقع الاتحاد الإفريقي، ولكن لو أخذنا المعايير المؤكدة، ولا جدال حول المشكلات فيها، يمكن أن نبدأ بمعيار “البنية التحتية”، والهلال، وللأسف، منذ ما قبل الحرب، محروم من اللعب في استادِه بسبب عدم الوفاء بالحد الأدنى من المطلوبات ذات العلاقة بملعب معتمد يشمل غرف لاعبين مطابقة، وغرفة لاختبار المنشطات، ومداخل ومخارج آمنة، ومرافق للجماهير، ولأن هذا الأمر في المقام الأول هو مسؤولية مجلس إدارة، لا يتم الحديث عنه، ولا تتم إثارته بـ”دلوكة” فساد لجان الاتحاد العام، وجر الرأي العام الهلالي من رسن العاطفة، وهذا أمر مثبت ولا جدال حوله.
الواقع المالي
المثبت الثاني، والذي لا يطيقه “البصمجية”، يتمثل في الميزانية التي تم عرضها بطريقة تتناسب وطريقة إجازتها، والتي لو استعرضناها مقرونة بالشروط الواردة في المعيار “المالي” لمنح رخصة الاتحاد الإفريقي، فإننا سنجد أنفسنا في مواجهة مطلوبات، مثل عدم وجود ديون ومستحقات متأخرة واجبة السداد للاعبين أو المدربين أو الموظفين أو الأفراد أو الأندية الأخرى أو السلطات الضريبية والتأمينات، أو وجود اتفاقيات تسوية معترف بها.
سيقع على مجلس الإدارة المسؤول عبء إثبات قدرة النادي على الاستمرار ماليًا، وأي مراجع مالي مبتدئ ومحترم سيكتب في تقرير المراجعة التي قام بها، وأثبتت الأرقام بأن الجهة أو النادي يواجه عجزًا ماليًا بديون تفوق إيراداته والقيمة المالية للأصول التي يمتلكها بأرقام فلكية، سيكتب بأن تقرير الميزانية يعني عدم قدرة النادي على الاستمرار ماليًا، وهذا خلل كبير في مطابقة معايير الرخصة.
معارك وهمية
الفكرة هنا، وحتى لا يتم عمل “كليوات” لنقاش النقطة الجوهرية سبب الكتابة، هي أن “يصحو” النائمون في كهف التضليل الإداري والإعلامي، والمخدرون بأفيون الصراع الإداري مع الاتحاد العام والاتحاد الإفريقي، وأن يفهموا بأن الصراع مع الفساد يحتاج إلى مبدئيين، والموقف منه ليس “حبة” يتم بلعها عند اللزوم.
بسبب هذه الممارسات الإدارية والإعلامية تجد لجان الاتحاد الإفريقي، ولجانًا مثل لجنة الدخيري في الاتحاد العام، المدخل للتلاعب باللوائح والقوانين والقرارات التي تسرق عرق الميدان.
هيبة إدارية
الهلال، عزيزي القارئ، الآن يحتاج إلى شيء مهم، وهو استعادة وزنه و”هيبته” الإدارية، وهي ليست بالضرورة “عنترية” وتصريحات، بقدر ما أنها شفافية، والتزام إداري قائم على الاعتراف بالأخطاء، وتحمل المسؤوليات، والحوكمة، والمحاسبة؛ إذ لا يعقل، وطوال ستة أعوام من أخطاء جسام، ألا نجد جهة أو شخصًا يخرج إلى العلن ويحاسب أو يعترف بالخطأ والتقصير، وإنما فقط شهوة عالية للتطبيل و”النفخ” الإعلامي للأفراد على حساب الهلال وحقوقه.











